اللاعنف: الخيار المُغيَّب…! اليوم العالمي للاعنف

حفيد “غاندي” يشارك “اللاعنفيين” في كشف الستار عن تمثال اللاعنف الأول في العالم العربي

سناك سوري – بلال سليطين

يعقف الفنان السويدي “فريدريك رويترزورد” المسدس في منحوته الشهير “اللاعنف” ويمنعه من إطلاق الرصاص، يحاول أن يحول بين الرصاصة وأرواح البشر بعد أن قتل العنف صديقه الناشط السلمي والفنان “جون لينون”، عبر هذا الشكل التعبيري الذي اعتمد من قبل الأمم المتحدة كتمثال يرمز للاعنف.
تنتشر هذه المنحوتة اليوم في العديد من دول العالم، وقد كان لبنان سباقاً في منطقتنا بتدشين تمثال اللاعنف من خلال مبادرة جامعة “أونور” (الكلية الجامعية للاعنف وحقوق الانسان) التي أحيت هذا العام اليوم العالمي للاعنف بحفل ضم مئات المهتمين باللاعنف في العاصمة اللبنانية بيروت وحضره “أرون غاندي” حفيد المناضل اللاعنفي “المهاتما غاندي”.
يصادف اليوم العالمي للاعنف 2 تشرين الأول من كل عام وهو يوم مولد المناضل “المهاتما غاندي” زعيم حركة استقلال الهند ورائد فلسفة واستراتيجية اللاعنف.
واللاعنف كمفهوم هو رفض لعنف الذات وعنف الآخر في آن معاً، هو ليس استسلاماً للواقع كما هو، وإنما خيار المواجهة عبر آليات وطرق لاعنفية من أجل الوصول إلى الغاية المنشودة، فالوسيلة عند اللاعنفيين تكمن في الغاية، وليس كما هو شائع الغاية تبرر الوسيلة.

يقول “غاندي” لكي يكون المرء لا عنفياً حقاً يجب أن لا يقبل نهائياً بالمظالم الاجتماعية. ويضيف:«إنَّ المقاومة غير العنيفة طريقة تتيح للمناضل اللاعنفي أَن يدافع، دفاعاً مباشراً، عن كلّ حق مهدد»، وهي ليست استسلاماً وإنما شجاعة المواجهة من دون سلاح، والحفاظ على حياة الإنسان.
كما أن اللاعنف الذي يحتفي به العالم اليوم يقوم على حب من يكرهنا أيضاً، “غاندي” أب اللاعنف أسس لمفهوم حب من يكرهنا، يقول “المؤسس”:«ليس من شأن اللاعنف أن نكتفي بحب من يحبوننا وإنما يبدأ اللاعنف من اللحظة التي نشرع فيها بحب من يكرهوننا».
يعول اللاعنفيون كثيراً على إيقاظ ضمير الآخر، لذلك تجدهم يخاطبون الضمير ويعملون على التأثير فيه بشكل كبير، ويؤمنون بأنه مهما استخدم الآخر العنف عليك ألا ترد عليه بالمثل فإن استخدامك للعنف يعطي مبرراً للآخر لكي يكون عنيفاً أيضاً، والعنف يولد العنف دائماً.

لقد كان الآباء المؤسسون للاعنف مخلصين للنظريات التي وضعوها، حيث واجه “عبد الغفار خان” الإنكليز مع جيش من اللاعنفين بصدور عارية لم يستخدموا أي سلاح رغم العنف والوحشية التي واجههم فيها الاستعمار الإنكليزي، ورغم أنهم سجنوه ثلاثين عاماً تقريباً إلا أن “خان” لم يدعو يوماً للثأر والانتقام لكنه في الوقت ذاته لم يستسلم ولم يستكين وظل يواجه الاستعمار، ومثله فعل “غاندي” الذي أطلق مسيرة الملح الشهيرة وساهم في استقلال الهند ودفع حياته ثمناً لخياره اللاعنفي لكنه تحول لمنارة تهتدي إليها الأجيال.
يستسخف كثيرون العنف ويسخرون من إمكانية تحقيق اللاعنفيين لأهدافهم، توضح لهم مقدمة كتاب “قاموس اللاعنف” لـ “جان ماري مولر”كيف أن اللاعنف استطاع ويستطيع تحقيق الفارق، تقول “المقدمة”:«اللاعنف هو هذا التدخل المباشر في الواقع الاجتماعي والسياسي، هو هذه اللا المتواضعة التي حررت الهند من الاستعمار الأعتى آنذاك متفوقة على “تشرشل”، هو هذه اللا “قوة المحبة” التي انتصر بها “مارتن لوثر كينغ” على جميع القوانين والمواد الدستورية العنصرية في أميركا، هذه اللا التي واجهت النازية في “بولونيا” وأثمرت في النهاية عن استمرار التعليم وتخريج 18 ألف طالب.
هذه اللا “لا اللاعنف” هي التي قدمت قواعد لاستراتيجية دفاعية لاعنفية، بدل الاستراتيجيات المعممة التي أدت إلى العسكرة المتزايدة والتسابق المحموم على التسلح وحصرت الفكر البشري في احتمال أوحد للمقاومة أو الدفاع عبر العنف والسلاح».

الوجه الآخر للحق ليس الباطل بل “العنف” هذه المقولة الشهيرة لـ “إريك فايل” .

تطور الفكر اللاعنفي كثيراً وقد أصبح له نظرياته ومفاهيمه التي لابد أن يعود لها المؤمنون به في أي تحرك يقومون به، يضع المفكر اللاعنفي “جان ماري مولر” في كتابه استراتيجية العمل اللاعنفي الكثير من الطرق والوسائل التي من الممكن أن يعود إليها اللاعنفيون في أي تحرك، وهي تقسم بحسب ما صنفها في سلسلته المفكر اللاعنفي “جين شارب” إلى طرق الاحتجاج والإقناع “أكثر من 30 طريقة” وهي الخيار الأول في أي تحرك لاعنفي، ثم ينتقل إلى طرق عدم التعاون وتحمل أشكالاً اجتماعية واقتصادية وسياسية، وهناك طرق التدخل المباشر سواء النفسي أو الجسدي أو حتى الاقتصادي وهي أيضاً أكثر من 20 طريقة، والكثير من الوسائل والطرق الأخرى اللاعنفية.
ينتشر اللاعنف اليوم بشكل واسع ويستمر بالتمدد ولدينا واحدة من أهم التجارب اللاعنفية في المنطقة انتفاضة 1987 في فلسطين المحتلة، والتي يقول عنها الدكتور والمناضل اللاعنفي “وليد صليبي” في كتابه “نعم للمقامة لا للعنف”:«إنّ ما حققته انتفاضة الحجارة رائع وعظيم للغاية. لقد استخدمت الانتفاضة ” نظام أسلحة”، (مع تحفظنا على كلمة أسلحة) مختلفاً جذرياً ونوعياً عن نظام الأسلحة الإسرائيلي، ما شلّ التفوق العسكري الإسرائيلي. وهذا في صلب البعد الإستراتيجي للمواجهة اللاعنفية : عدم مواجهة الخصم الظالم على أرض العنف، كونها أرضه وحيث يتفوّق على المظلومين بأشواط. وكلّنا يعلم أن هناك عدداً قليلاً من الدول ينتج السلاح ويراكمه منذ عشرات السنين، بغية السيطرة على ثروات العالم وإقامة الأنظمة السياسية المؤيدة والداعمة.

لقد استطاعت انتفاضة الحجارة، اللاعنفية أن تبرز أحقيّة القضية الفلسطينية وسمحت للمجتمع الدولي بالتمييز بين صاحب القضية المحقّة وصاحب السياسة الظالمة، بين الجلاّد والضحية.».
تغرق منطقتنا بالعنف حالياً، والحروب الإلهية والمقدسة والعادلة والدفاعية ووو إلخ من أنواع الحرب، لكن جميعها لم تحقق نتيجة تذكر سوى المزيد من الدمار المزيد من انتشار ثقافة الحقد والكره والانتقام، وغياب الحقوق والحريات والتنمية وزيادة الفساد والروشة والفقر، مايدفع للسؤال لماذا لم يجرب “اللاعنف” لماذا علينا أن نختار الحروب والقوة العسكرية دائماً ونرفض اللاعنف؟.

المقالات المنشورة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الموقع

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *