أخر الأخبارالرئيسيةتحقيقات وأبحاثتقارير

إعادة إعمار سوريا… لماذا لا تدفق الأموال؟

هل تعيد الاستثمارات إعمار سوريا؟

تبلغ قيمة التمويلات والتعهدات المرصودة لإعادة إعمار سوريا خلال 18 شهراً من عمر المرحلة الانتقالية قرابة 1.66 مليار دولار من أصل قرابة 12 مليار دولار تعهد بها المجتمع الدولي لدعم سوريا خلال المرحلة الانتقالية، وهو رقم يعادل أقل من 1% من متوسط تكلفة إعادة الإعمار 216 مليار دولار التي قدرها آخر تقرير للبنك الدولي .

سناك سوري – بلال سليطين

بعد مضي أكثر من 18 شهراً على انطلاق المرحلة الانتقالية في سوريا لا تظهر التدفقات والتعهدات المالية نحو سوريا تطوراً نوعياً لناحية إعادة الإعمار وما يزال التركيز في معظمه على الاستجابة الإنسانية في ظل تدني كبير في مستوى الشفافية الدولية والمحلية.

في هذا التقرير نرصد عبر المصادر المفتوحة التعهدات والمنح والتمويلات المعلنة لدعم سوريا خلال المرحلة الانتقالية، ونحاول أن نميز بين ما يمكن تصنيفه دعمًا إنسانيًا أو تشغيليًا، وما يمكن إدراجه ضمن إعادة الإعمار الفعلية.

حوالي 12 مليار دولار دعم لسوريا

في آذار/مارس 2025، حشد مؤتمر بروكسل التاسع تعهدات بنحو 5.8 مليار يورو، أي ما يعادل قرابة 6.3 مليار دولار وفق سعر الصرف حينها، لدعم سوريا والمنطقة. غير أن هذا الرقم لا يعني أن المبلغ دخل سوريا أو خُصص لإعادة الإعمار، إذ يشمل مساعدات إنسانية ودعمًا للاجئين والمجتمعات المضيفة في دول الجوار، إضافة إلى تعهدات متعددة السنوات. إلا أن تتبع الإيفاء بهذه التعهدات يبقى غير ممكناً إنجازه بدقة، لأن البيانات المتاحة لا تقدم دائمًا مسارًا واضحًا يربط بين التعهد، والالتزام، والتحويل، والصرف، والجهة المنفذة، والمشروع النهائي.

وعلى الصعيد الوطني لا تمتلك سوريا حتى الآن منصة وطنية تتبع هذه التعهدات وتحويلها لتبرعات ومدى الإلتزام بها والمشاريع التي نفذت من خلالها على الأرض.

لكن تقوم سوريا أحياناً بالإعلان عن التعهدات والمنح كالتي حصلت عليها من البنك الدولي وإيطاليا واليابان والسعودية وغيرهم لكنها أيضاً لا تعلن عن الإيفاء بهذه التعهدات وآلية استيفائها. إلا أنها في بعض التبرعات ذكرت بشكل دقيق المشاريع الموجهة لها وليس القطاعات، بينما حدد في تعهد السعودية بحوالي 250 مليون دولار أنها لمشاريع في مجال إعادة إعمار محطات مياه وكهرباء ومشاريع ري وحددت هذه المشاريع ومدنها ومناطقها. لكن يقف الأمر عند هذا الحد دون توفر منصة تنشر تقارير عن هذه المشاريع وخططها الزمنية وتنفيذها واستلام المبالغ..إلخ.

خلال 18 شهراً فإن الرقم الاجمالي للتعهدات الذي استطعنا رصده عبر المصادر المفتوحة وصل إلى نحو 12.110 مليار دولار، تتركز قرابة 86.3% منه في التعهدات العامة والتمويل الإنساني والدعم التشغيلي أو المساعدات قصيرة الأمد، مقابل نحو 13.7% فقط يمكن تصنيفها بوضوح ضمن إعادة الإعمار والتعافي المستدام.

ولا يعني رقم 12.11 مليار دولار أن كامل هذه المبالغ دخل سوريا أو صُرف فعليًا، إذ يتضمن الرقم تعهدات عامة بعضها تم الإيفاء به وبعضها تتوفر آليات واضحة للتحقق من مصيره، بالإضافة لأن بعض البيانات المفتوحة تتداخل بين التعهدات المعلنة والبيانات التي تقدمها الأمم المتحدة حول التدفقات والتي قد يكون جزء من التعهدات قد تدفق من خلال الأمم المتحدة.

وتتركز أبرز الأرقام المصنفة ضمن إعادة التأهيل في قطاعات الكهرباء والمياه والصحة، بينها 225 مليون دولار من البنك الدولي للمياه والصحة، و146 مليون دولار للكهرباء، و250 مليون دولار كمشاريع سعودية في المياه والكهرباء والري. وأبرزها الدعم القطري لقطاع الطاقة والكهرباء والذي بلغ قراب 760 مليون دولار.

تباطؤ إعادة الإعمار واتساع الفجوة بين الاحتياج والتمويل

قبل سقوط الأسد، كان ملف إعادة الإعمار محكومًا بعقدة سياسية واضحة: معظم المانحين ربطوا التمويل الواسع بإحداث تغيير سياسي وضمانات تتعلق بالحوكمة والحقوق والملكية وعودة اللاجئين. لكن بعد التغيير السياسي، لم يتحول الانفتاح الدولي إلى تدفقات مالية كافية لإطلاق إعادة إعمار واسعة. ومايزال التعامل مع سوريا من قبل الدول المانحة يقوم على مبدأ المساعدات الانسانية ولايمكن القول أنه تم الشروع بإعادة الإعمار أو تبني تمويل جزء منها.

قدّر البنك الدولي متوسط كلفة إعادة إعمار الأصول المادية المتضررة بنحو 216 مليار دولار (الحد الأعلى 345 مليار دولار)، بينما لا تتجاوز الكتلة التي أمكن تصنيفها ضمن إعادة الإعمار المبكر والتعافي المستدام في البيانات المفتوحة المرصودة نحو 1.66 مليار دولار فقط، أي ما يعادل 0.77% من الكلفة التقديرية لإعادة الإعمار.

لكن هذه الأرقام ليست الحصيلة الكلية كما أشرنا فهناك دعم يمر عبر قنوات تواصل ودعم مباشر بين الحكومة السورية والدول لكنه لا يندرج ضمن البيانات المفتوحة التي يمكن رصدها نظراً لعدم نشرها، وهناك دعم يذهب للرواتب والأجور لضمان استمرارية التزام الدولة تجاه موظفيها، بالإضافة لدعم بعض المشتقات النفطية كالذي قدمته السعودية بشكل عيني.

وإعادة الإعمار لا تقوم فقط على المنح والتمويل الدولي بل أيضاً على الاستثمار والشراكات بين الدولة والمستثمرين وهي تغطي جزء من إعادة الإعمار لكنها لا تساعد في إعادة إعمار منازل السوريين المهدمة ولا بإنهاء معاناة المخيمات بل هي استثمار بما يدر الربح مثل قطاع النفط أو قطاع الكهرباء. لكن إعادة بناء المنازل المهدمة والمرافق والمساحات العامة (حديقة، ملعب مجاني، طرقات عامة..إلخ) يتطلب منحاً دولية ومشاريع إعادة إعمار تتبناها الأمم المتحدة والدول المانحة تخصص لإعادة إعمار المنازل والأبنية المتضررة والبنى التحتية المرتبطة بها بحيث لا تكون مشاريع استثمارية تحول الخدمات إلى مشاريع ربحية.

نسبة تمويل عام 2026 تغطي 20% من احتياجات السوريين

على الرغم من أن التركيز على الدعم الإنساني هو الأساسي إلا أن بيانات OCHA تظهر أن التمويل الإنساني المخصص لسوريا ما يزال دون مستوى الاحتياجات الفعلية.

وفي عام 2025، بلغت احتياجات خطة الاستجابة الإنسانية نحو 3.19 مليار دولار، بينما لم يُموَّل منها سوى حوالي 1.37 مليار دولار، أي ما يقارب 43%، مع عجز بلغ نحو 1.82 مليار دولار، في حين وصل إجمالي التمويل الإنساني المسجّل لسوريا خلال العام نفسه، داخل الخطة وخارجها، إلى حوالي 2.74 مليار دولار. أما في عام 2026، فتقدّر خطة أولويات الاستجابة الإنسانية في سوريا الاحتياج بنحو 2.92 مليار دولار، لم يُموَّل منها حتى الآن سوى حوالي 594.7 مليون دولار، أي نحو 20.4%، ما يترك فجوة تمويلية تقارب 2.33 مليار دولار.

عوامل سياسية تؤخر إعادة الأعمار

من خلال رصد الأعمال التي تستهدف المنازل والأبنية المتضرة نلحظ أن هناك عمليات ترميم جزئية يقوم بها بعض العائدين إلى منازلهم على نفقتهم الخاصة، وهناك أعمال ترميم محدودة تقوم بها منظمات وهي تركز على طلاء أو تركيب نوافذ وأبواب لكن لايوجد أعمال إنشائية على نطاق واسع ضمن مناطق متضررة رصدها بعموم الأراضي السورية.

وتباطؤ إعادة الإعمار يعود لعدة أسباب، على الصعيد الداخلي لدينا أسباب لها علاقة بأصحاب الملكية الذين لا يملك معظمهم تكاليف إعادة الإعمار، وهناك قيود حكومية وشروط على إعادة الإعمار كما يحدث في حي جوبر على سبيل المثال.

على صعيد الخارج يبدو أن هناك بعض التحفظ لدى المانحين الذين يريدون المزيد من اختبار آليات الحكم والحوكمة في سوريا والحرص على وصول الأموال إلى الجهات التي تستحقها بدقة، والإجابة على سؤال كيف سيمر الدعم عبر الحكومة أو عبر منظمات المجتمع المدني أو عبر الاثنين، وأسئلة أخرى متعلقة بحرية عمل المجتمع المدني ومستوى تدخل الحكومة في عمله، بالإضافة لعدم وضوح خطة الحكومة في إعادة الإعمار الوطنية وكذلك أسئلة الرقابة والشفافية وتوظيف الدعم في مكانه الصحيح.

ولا يخلو الأمر من عوامل أخرى متمثلة بوجود أزمات عديدة في العالم تأخذ حيزاً أكبر من اهتمام المجتمع الدولي مثل أوكرانيا، غزة، لبنان، والحرب بين إيران والولايات المتحدة وإسرائيل، وغيرها من القضايا التي تستهلك موارد حالياً وتطلب موارد مستقبلية وتأخذ من حصص الدعم وأولويات المجتمع الدولي، فكلما اتسعت دائرة الأزمات في العام كلما انخفضت حصة سوريا من الاهتمام والدعم.

فوارق بين الاستثمار وإعادة الإعمار!؟

لاشك أن سوريا شهدت توقيع جملة من مذكرات التفاهم حول استثمارات لم يدخل الكثير منها حيز التنفيذ، لكن الاستثمارات التي طرحت أو التي دخلت حيز التنفيذ لا تعني بالضرورة إعادة إعمار بالمعنى الملموس لمن فقد منزله. فالاستثمار يتجه غالبًا إلى قطاعات قابلة للربح مثل الطاقة والكهرباء والنفط، بينما لا يجيب تلقائيًا على أسئلة إعادة بناء منازل السوريين، أو إنهاء المخيمات، أو ترميم الأحياء المدمرة، أو إعادة تأهيل الخدمات العامة في المناطق الأقل قدرة على جذب رأس المال. لذلك فإن الرهان على الاستثمار وحده قد ينتج إعادة تشغيل لبعض القطاعات، لكنه لا يكفي لإعادة إعمار المناطق والمجتمعات المتضررة من الحرب، فهذا يحتاج موارد هائلة واقناعاً للمجتمع الدولي بالدعم عبر بناء الثقة وتحسين آليات الحوكمة وتعزيز الاستقرار والأمان وغيرها من العوامل .

تكشف الأرقام أن سوريا انتقلت من مرحلة العزلة السياسية لكنها ماتزال في مرحلة الدعم الإنساني والتعافي المحدود، ولم تدخل بعد مرحلة إعادة الإعمار. فما هو متاح حتى الآن يمنع الانهيار ويساعد على تشغيل بعض الخدمات، لكنه لا يكفي لإعادة بناء بلد تقدّر كلفة إعمار أصوله المادية المتضررة بنحو 216 مليار دولار وسطياً وقد تصل إلى 345 مليار دولار.

زر الذهاب إلى الأعلى