أخر الأخبارتقارير

بعد سقوط النظام… الاستيلاء على بيوت وأراضٍٍ يفتح ملف الملكيات من جديد

تراجع آمال معالجة إرث المصادرات العقارية بعد انتهاكات جديدة لأملاك السوريين

لم تتوقف انتهاكات الملكية والسكن في سوريا مع سقوط النظام السابق؛ فقد شهدت المرحلة الانتقالية عمليات استيلاء على منازل وأراضٍ ومزارع، وطرداً لأصحابها، إضافة إلى حرق محاصيل وتعفيش ممتلكات، وفق ورقة سياسات أصدرتها مؤسسة «اليوم التالي».

سناك سوري – دمشق

قالت ورقة السياسات المعنونة «مشكلات وتحديات قضايا الملكية والسكن في المرحلة الانتقالية» إن الآمال بمعالجة إرث المصادرات والانتهاكات العقارية تراجعت بعد وقوع انتهاكات جديدة استهدفت جماعات ومناطق محددة خلال المرحلة الانتقالية.

ولا تتحدث الورقة عن صدور سياسة حكومية عامة أو قوانين جديدة لمصادرة أملاك السوريين بعد سقوط النظام، لكنها توثق عمليات استيلاء ميدانية على بيوت وأراضٍ ومزارع، إلى جانب طرد السكان وحرق الممتلكات والمحاصيل، ولا سيما خلال أحداث الساحل والسويداء.

آثار التخريب والحرق على الأبنية في الساحل السوري بعد مجازر 7 آذار – سناك سوري

الاستيلاء على منازل ومزارع في الساحل

وثقت الورقة خلال أحداث الساحل في آذار 2025 انتهاكات لحقوق الملكية والأراضي، شملت الاستيلاء على البيوت والأراضي والمزارع وطرد أصحابها، إضافة إلى حرق محاصيل زراعية. ومن المناطق التي ذكرتها الورقة حيّا الرميلة والعسالية في مدينة جبلة، وقرية صنوبر التابعة لناحية الهنادي في محافظة اللاذقية.

واعتبرت أن هذه الانتهاكات الجديدة أضافت طبقة أخرى إلى ملف عقاري مثقل أصلاً بالمصادرات والاستملاكات والتعديات التي وقعت خلال حكم النظام السابق.

حرق وتعفيش خلال أحداث السويداء

وفي السويداء، قالت الورقة إن أحداث تموز 2025 شهدت حرقاً متعمداً لعدد من القرى في الريفين الشمالي والغربي، وتعفيشاً للمحال والمستودعات، كما طالت الانتهاكات منازل للبدو في منطقة المقوس وقرى أخرى.

وأشارت إلى أن تلك الوقائع وثقتها لجنة التحقيق الدولية المستقلة المعنية بسوريا في تقرير صدر في 17 آذار 2026. وبذلك لا تقتصر مشكلة الملكية بعد سقوط النظام على عجز أصحاب الحقوق عن استعادة أملاك صودرت سابقاً، بل تشمل أيضاً ممتلكات تعرضت للاستيلاء أو الحرق أو النهب خلال أحداث المرحلة الانتقالية. مصادرة رسمية أم استيلاء على الأرض؟

تفرّق الورقة عملياً بين نوعين من الانتهاكات؛ الأول هو المصادرة القانونية والإدارية التي مارسها النظام السابق عبر قوانين وقرارات الحجز والاستملاك ومكافحة الإرهاب، والثاني هو الاستيلاء الفعلي والتعدي والنهب الذي وقع بعد سقوطه خلال النزاعات وأعمال العنف.

وعليه، فإن الأدق وفق ما ورد في الورقة هو القول إن سوريا شهدت بعد سقوط النظام انتهاكات جديدة للملكية وعمليات استيلاء على ممتلكات، بينما لا تقدم الورقة دليلاً على وجود قرار حكومي مركزي جديد يقضي بمصادرة ملكيات المواطنين.

محال تجارية محروقة وسط السويداء – فيسبوك

إرث قديم استمر بعد التحرير

تقول الورقة إن النظام السابق ترك وراءه شبكة معقدة من القوانين والقرارات التي أتاحت حجز ممتلكات المهجرين والغائبين والتصرف بها. وتشير إلى أن عدد القوانين والمراسيم المتعلقة بالاستملاك والتأميم وحجز الأموال والتنظيم العمراني منذ عام 1963 وحتى سقوط النظام بلغ 139 قانوناً، إضافة إلى نحو 500 قرار وتعليمات تنفيذية.

كما ارتفعت وتيرة المطالبات العقارية بعد سقوط النظام، مع عودة مهجرين ولاجئين إلى مناطقهم واكتشافهم أن منازلهم مهدمة أو مشغولة من آخرين، أو أن وثائق الملكية ضاعت أو جرى التلاعب بالسجلات المرتبطة بها. وحددت الورقة أبرز عقبات العودة بالطابو المفقود، والاستيلاء ومصادرة الأملاك، وضياع وثائق إثبات الملكية، والبيوت المهدمة، والفقر والخوف وضعف المؤسسات والنزاعات العائلية.

مشاريع جديدة فوق استملاكات قديمة

لا تقتصر المخاوف على الانتهاكات الأمنية والأهلية، إذ تلفت الورقة إلى استمرار التعامل مع بعض الأراضي المستملكة سابقاً باعتبارها متاحة لمشاريع استثمارية جديدة، رغم عدم تسوية حقوق أصحابها.

وتضرب مثالاً بمشروع «بوليفارد النصر» الذي أعلنت عنه محافظة حمص في آب 2025 بوصفه مشروعاً لإعادة إعمار مناطق متضررة. إلا أن سكان حي القرابيص اعترضوا عليه وطالبوا بإيقافه، بسبب تنفيذه على أراضٍ سبق استملاكها دون تسوية الخلافات المتعلقة بحقوق سكانها. كما تحدثت الورقة عن ردود فعل غاضبة تجاه توجهات إعادة إعمار جوبر والقابون في دمشق عبر شركات استثمارية أجنبية، وسط خشية الأهالي من تغليب الاستثمار والتربح العقاري على حقوق أصحاب الأملاك.

مشاريع سكنية بالمليارات تستهدف أصحاب الثروة .. وإعادة الإعمار مهمة مؤجلة

لجان لا تكفي لحجم المشكلة

شكّلت السلطات بعد سقوط النظام لجاناً لمعالجة حالات الغصب والاستيلاء غير المشروع في محافظات بينها حمص وحلب وحماة، كما نشطت لجان أهلية ومجالس صلح في عدد من المناطق.

لكن الورقة ترى أن هذه الاستجابات بقيت مجزأة، وأن اللجان تعاني من محدودية الكوادر والإمكانات وتفاوت الصلاحيات والمعايير بين محافظة وأخرى، في ظل غياب إطار وطني موحد لمعالجة النزاعات العقارية.

وحذرت من أن ترك الملف دون حلول عادلة قد يحول المنازعات العقارية إلى مصدر جديد للنزاعات الأهلية والطائفية، خصوصاً في المناطق التي يتنازع فيها أصحاب الحقوق الأصليون مع سكان أو مهجرين يقيمون حالياً في العقارات نفسها.

هيئة وطنية ومحكمة عقارية

دعت الورقة إلى تأسيس هيئة وطنية متخصصة بحقوق الملكية والسكن، تتولى توثيق الانتهاكات ودراسة ملفات الاستملاك والاستيلاء واقتراح التشريعات اللازمة، إلى جانب إنشاء محكمة مختصة بالمنازعات العقارية.

كما أوصت بوقف ومراجعة المخططات التنظيمية التي صدرت في عهد النظام السابق، ومنع تنفيذ مشاريع إعادة الإعمار دون مشاركة السكان وضمان حقوق المالكين والشاغلين، وإنشاء قاعدة بيانات وطنية للممتلكات المنتهكة قبل سقوط النظام وبعده. وطالبت بإلغاء الآثار العقارية لأحكام محكمة الإرهاب، وتسهيل إثبات الملكية، وتعويض أصحاب الحقوق عندما يتعذر رد ممتلكاتهم، مع ضمان حقوق النساء في الإرث والملكية ومشاركتهن في صياغة الحلول القانونية والمؤسساتية.

وتخلص الورقة إلى أن ملف الملكية في سوريا، لم يعد مجرد إرث من حقبة النظام السابق، بل أصبح اختباراً للمرحلة الانتقالية نفسها؛ إذ لا تكفي استعادة العقارات القديمة بينما تتكرر عمليات الاستيلاء والحرق والتهجير في مناطق جديدة.

زر الذهاب إلى الأعلى