أين يسكن الفقراء؟.. رحلة من التنازلات بحثاً عن منزل _ محمد العمر
منازل غير صالحة لـ"السكن اللائق" بأسعار خارج القدرة .. والجمعيات السكنية حلم مؤجل
لا يبدأ بحث ذوي الدخل المحدود عن منزل بسؤال: أين نسكن؟ بل بسؤال أكثر قسوة: ما الذي يمكن التنازل عنه كي يصبح البيت في المتناول؟ الموقع، ضوء الشمس، الإكساء، سلامة البناء، أم حتى وضوح الملكية؟.
سناك سوري _ محمد العمر
هذا هو واقع البحث عن السكن اليوم في حلب، المدينة التي خرجت من خمسة عشر عاماً من الحرب والقصف بخسائر كبيرة في مبانيها وسوقها السكنية. فكلما ضاقت الميزانية، دفعت أصحابها نحو الأحياء الشرقية أو المناطق العشوائية وغير المنظمة، حيث تنخفض الأسعار مقابل بيوت قد لا تدخلها الشمس وتفتقر إلى أبسط مقومات السكن اللائق. أما الجمعيات السكنية، التي تبدو للوهلة الأولى مخرجاً أقل تكلفة، فتتراجع جدواها مع ارتفاع أسعار الدفاتر وتكاليف البناء وطول سنوات الانتظار، حتى يصبح امتلاك البيت أبعد فأبعد عن متناول الفقراء.
من هنا يأتي سؤال هذا الريبورتاج: أين يسكن الفقراء في حلب؟ سؤال لا يتعلق بالمكان وحده، بل بما تبقى من خيارات أمام من لا يملك ثمن بيت في مدينة اتسعت فيها الفجوة بين المداخيل وأسعار العقارات والإيجارات، فيما لا تزال آثار الحرب حاضرة في الأبنية والأحياء وسوق السكن نفسه.

تتبَّع سناك سوري رحلة البحث عن منزل في قلب حلب وخواصرها العشوائية ومشاريع جمعياتها السكنية. دخلنا مكاتب عقارية، وبحثنا عن عروض البيع على وسائل التواصل الاجتماعي، واتصلنا بأصحاب دفاتر الجمعيات، وتحدثنا مع باحثين عن منازل، لنعرف ما الذي تشتريه فعلياً ميزانية محدودة في المدينة، وأين تصطدم هذه الرحلة بالأسعار والملكية والقوانين والوعود المؤجلة.
تصدرت حلب المحافظات السورية من حيث عدد المنازل المدمرة كلياً أو جزئياً خلال سنوات الحرب، بأكثر من 355 ألف منزل تقديرات الأمم المتحدة
لا سكن لائق للفقراء
تعيش “نوال المصطفى” وهي أرملة وجدّة لثلاثة أطفال، مع ابنها الوحيد وزوجته في منطقة “الأرض الحمرا” شرقي حلب. يتألف منزلهم من غرفتين ومنافع، ويدفعون لقاءه نحو مئة دولار شهرياً، أي ما يقارب نصف راتب الابن الذي تعتمد عليه الأسرة.
قبل أشهر، بدا لـ”نوال” أن فرصة امتلاك منزل اقتربت، مع ارتفاع سعر الذهب، باعت مصاغها بنحو عشرة آلاف دولار، على أمل أن تشتري بيتاً صغيراً يخفف عن الأسرة عبء الإيجار. لكن رحلة البحث بين مساكن هنانو والحيدرية والصاخور بددت هذا الأمل سريعاً، فالبيوت التي وجدتها تبدأ، بحسب تقديرها، من نحو 25 إلى 30 ألف دولار.
دمشق: المنزل بمليار ليرة والقبر بـ250 ألف.. كل واحد يشتري على قد مصرياتو
على الطرف الآخر من المدينة، يواجه “محمود حلاق” المعضلة نفسها، حيث يعمل في مول تجاري بمنطقة سيف الدولة، ويسكن مع زوجته وأطفاله الثلاثة في حي “صلاح الدين”، في منزل لا تتجاوز مساحته 90 متراً.
وحتى دفع إيجار هذا المنزل يحتاج إلى مساعدة من الخارج، إذ يعتمد “محمود” على حوالات متقطعة من شقيقه المقيم في “السويد” لجمع نحو 900 دولار، لتسديد إيجار ستة أشهر يدفعها مقدماً. ويقول إن المالك وافق على هذه المدة، رغم أن المتعارف عليه في كثير من عقود الإيجار في حلب هو دفع سنة كاملة قبل استلام المنزل.
يحاول “محمود” الذي تجاوز الأربعين، الخروج من هذه الدائرة بشراء بيت، لكن كل جولة بحث تعيده إلى نقطة البداية. فالمنزل الذي يراه مناسباً لا يقل ثمنه عن 20 ألف دولار، وهو مبلغ يعادل مجموع راتبه لنحو ثماني سنوات.
أما أرخص منزل زاره برفقة أصحاب مكاتب عقارية، فكان معروضاً بنحو 15 ألف دولار. لم يكن السعر المنخفض يعني صفقة أفضل، فالبناء تعرض لدمار جزئي بسبب القصف، وتحاصره الأبنية من جهات تحجب عنه ضوء الشمس، فيما يكاد المنزل نفسه يكون غير مكسو: جدران بلا دهان، وأرضية بلا بلاط، وتمديدات مياه وكهرباء مهترئة. ومع ذلك، لم يكن محمود يملك ثمنه.
واصل “محمود” البحث في حي “صلاح الدين” فعثر على منزل آخر لا تتجاوز مساحته 60 متراً، من غرفتين في الطابق الخامس، مقابل 12 ألف دولار. وعندما حاول النزول أكثر بالسعر، لم يعد التنازل متعلقاً بالمساحة أو حالة البناء فقط، بل وصل إلى الملكية نفسها. عرضت عليه مكاتب عقارية منازل في صلاح الدين والمشهد بين 8 و10 آلاف دولار، لكن ملكيتها غير مضمونة وتندرج تحت ما يعرف محلياً بـ”حكم محكمة”. وحتى هذه الخيارات، بكل ما تحمله من مخاطر، بقيت خارج قدرته المالية.
ما تواجهه نوال ومحمود يبتعد كثيراً عن مفهوم “السكن اللائق” كما تحدده المواثيق الدولية. فالمادة 25 من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان لعام 1948، والمادة 11.1 من العهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية لعام 1966، تقرّان الحق في السكن، الذي لا يقتصر على أربعة جدران وسقف، بل يشمل ضمان الحيازة، وتوافر البنية التحتية والخدمات، والقدرة على تحمل التكلفة.
وترسم جولات البحث في مكاتب عقارية بأحياء متفرقة من حلب خريطة لما تشتريه الميزانيات المختلفة. ففي أحياء شعبية مثل صلاح الدين والسكري والأنصاري والمشهد والميدان، يمكن أن تنخفض الأسعار إلى أقل من عشرة آلاف دولار، لكن ذلك يقترن غالباً بتنازلات كبيرة: منزل “على العظم” من دون إكساء، أو شقة في بناء متضرر جزئياً، أو منزل تحيط به الأبنية والدمار وتحجب عنه الشمس.
مشروع “أبيات هيلز” السكني: كومباوند بشراكة سعودية .. كم ستبلغ الأسعار؟
وفي أحياء أخرى، تقفز الأسعار سريعاً. ففي الأعظمية تصل إلى نحو 35 ألف دولار، بينما تبدأ في الحمدانية، أكبر ضواحي حلب بما تضمّه من أحياء ومشاريع سكنية مثل “606” و”3000 شقة” و”رواد السياحة”، من نحو 65 ألف دولار، وترتفع وفق الموقع والمساحة. أما في أحياء مثل جمعية الزهراء والشهباء والمحافظة وشارع فيصل، فتتجاوز الأسعار مئة ألف دولار، وقد تصل بعض العروض إلى 200 أو 300 ألف.
وتشير هذه الخريطة إلى أن الخيارات الأرخص ترتبط غالباً بمشكلات في الإكساء أو حالة البناء أو الموقع أو الملكية، فيما تبقى الأسعار في الأحياء الأفضل تجهيزاً بعيدة عن قدرة ذوي الدخل المحدود. أما الإيجار، فيستهلك بدوره جزءاً كبيراً من دخل الأسر التي لا تملك ثمن الشراء.
السكن التعاوني.. شقق على الورق
تصدرت حلب المحافظات السورية من حيث عدد المنازل المدمرة كلياً أو جزئياً خلال سنوات الحرب، بأكثر من 355 ألف منزل، وفق تحليل لصور الأقمار الصناعية أجراه معهد الأمم المتحدة للتدريب والبحث (يونيتار). ويضاف إلى ذلك عجز سكني سنوي في سوريا كان يقدّر قبل عام 2011 بنحو 130 ألف منزل، إلى جانب الزيادة السكانية التي شهدتها المدينة خلال السنوات الأخيرة.
كلفة المتر المربع من دون إكساء نحو 150 دولاراً وسطياً، فيما تتراوح كلفة الإكساء بين 150 و500 دولار للمتر، بحسب المواد ومستوى التشطيب. المهندس ياسر الأخرس
أمام هذا النقص، يفترض أن تشكل الجمعيات السكنية أحد المخارج المتاحة لذوي الدخل المحدود. فمنذ ستينيات القرن الماضي، قام نظام التعاون السكني على فكرة تأمين المنازل بسعر التكلفة وبتمويل ذاتي من المكتتبين. وبحسب وزارة الأشغال العامة والإسكان، فقد بلغ عدد الجمعيات السكنية المشهرة في سوريا 3248 جمعية، منها 1432 جمعية فاعلة، تضم نحو مليون عضواً.
لكن خلف هذه الأرقام مشاريع تأخر تنفيذها سنوات طويلة، وبقي بعضها، منذ أكثر من عشرين عاماً، مجرد دفاتر ورقية ينتظر أصحابها أن تتحول إلى منازل. ومع ارتفاع تكاليف البناء وتراجع القدرة الشرائية، بات الاستمرار في بعض هذه المشاريع يتطلب دفعات تفوق قدرة أصحابها، ما يدفع بعضهم إلى بيع حق الاكتتاب قبل أن يبدأ البناء فعلياً.
وزارة الإسكان السورية تتراجع عن تعميمها وخبير يكشف الرقم الحقيقي للعجز السكني
غزوان المحمود واحد من هؤلاء المكتتبين. بعد أن ضاقت أمامه فرص امتلاك منزل في المدينة، اشترى دفتر اكتتاب في مشروع “W3” غرب جمعية الزهراء في حلب.
يصنف غزوان نفسه ضمن أصحاب الدخل المتوسط، ويقول إن دخله يبلغ نحو خمسة أضعاف راتب موظف حكومي أو عامل في القطاع الخاص. دفع قرابة 15 ألف دولار ثمناً لدفتر ذي أفضلية جيدة، إضافة إلى نحو 13 مليون ليرة سورية قديمة كدفعات سابقة.
لكن ما اشتراه لم يتحول بعد إلى منزل. فالمشروع ما يزال في مراحله الأولى جداً، ويقتصر العمل فيه حتى الآن، بحسب ما أعلنه مجلس مدينة حلب، على شق الطرق وتنفيذ البنية التحتية. لا أسس محفورة ولا أعمدة ولا أبنية سكنية قائمة.
يمتد أمام “غزوان” فضاء واسع تتوزع فيه كراسٍ وأكشاك يستخدمها سكان المنطقة للجلوس خارج منازلهم الضيقة. ينظر إلى المكان ويضحك قائلاً: “ترى عند أي كشك يقع بيتي المستقبلي؟”.
لفهم ما ينتظره “غزوان”، تتبعنا آلية عمل مشاريع التعاون السكني. ففي بعض الحالات تشتري الجمعية الأرض ثم تقدمها للدولة لإدخالها ضمن المخطط التنظيمي، وفي حالات أخرى تستملك الدولة الأرض من أصحابها وتخصصها لجمعية سكنية للبناء عليها. وفي الحالتين، يفترض أن يكون الهدف بناء مساكن وبيعها بسعر التكلفة، من دون ربح، وفق قانون التعاون السكني.
بعد اعتماد المخطط وتنفيذ البنية التحتية، تطرح الدولة مناقصات على المتعهدين لبناء المساكن، وتبقى مشرفة على عملية التنفيذ. ومع كل مرحلة من مراحل البناء، يُطلب من المكتتبين دفع مبالغ تتناسب مع حجم الأعمال، وتتم المدفوعات عبر المصارف العامة. وإذا تخلف المكتتب عن الدفع ثلاث مرات أو أكثر، يمكن فصله من الجمعية. وعند الإنجاز، يكون أمامه خيار استلام المنزل “على العظم” أو كامل الإكساء.
لكن سعر التكلفة نفسه لم يعد منخفضاً. يقدّر المهندس “ياسر الأخرس”، الذي يعمل في تعهدات البناء، كلفة المتر المربع من دون إكساء بنحو 150 دولاراً وسطياً، فيما تتراوح كلفة الإكساء بين 150 و500 دولار للمتر، بحسب المواد ومستوى التشطيب.
في مشروع “N4” على طريق الكاستيلو، تراوحت أسعار الدفاتر بين خمسة وثمانية آلاف دولار، ووصلت في جمعية أخرى في الشهباء الجديدة إلى نحو 20 ألف دولار. أما في مشروع “W3″، فتراوحت العروض بين 16 و40 ألف دولار، رغم أن المشروع لا يزال في مرحلة تنفيذ البنية التحتية سناك سوري
لا تتوقف الحسابات هنا، إذ يضاف إلى ذلك ثمن الأرض وكلف أخرى مرتبطة بالمشروع. وبحسب تقديرات “الأخرس” فقد تصل كلفة شقة بمساحة مئة متر إلى ما بين 50 و100 ألف دولار، وهي أرقام تجعل حتى نموذج “السكن بسعر التكلفة” بعيداً عن قدرة نسبة كبيرة من أصحاب الدخل المحدود.
يقول “غزوان” إن الصورة كانت مختلفة في مطلع الألفينات، حين كانت تكلفة بعض مساكن الجمعيات تقارب مليوني ليرة سورية، موزعة على أقساط تمتد لنحو عشرين عاماً، وهي مبالغ كان يمكن لأصحاب الدخل المحدود تغطيتها في ذلك الوقت. أما اليوم، فإن ارتفاع قيمة الدفعات المطلوبة مع تقدم المشروع، وتجاوزها في بعض الحالات دخل المكتتب بأضعاف، يدفع بعضهم إلى بيع دفاترهم بدلاً من الاستمرار حتى استلام المنزل.
ومع ارتفاع الكلفة، تحولت دفاتر بعض الجمعيات إلى سوق للبيع والشراء والاستثمار، بعدما كان الهدف الأساسي من هذه المشاريع تأمين سكن لذوي الدخل المحدود بأسعار مناسبة وأقساط يمكن تحملها. ويظهر هذا التحول بصورة أوضح في سوق الدفاتر والمكاتب العقارية، حيث تتفاوت أسعار حقوق الاكتتاب نفسها بآلاف الدولارات قبل أن يكون المنزل قد بُني.
ويختلف نظام الجمعيات السكنية التعاونية عن نظام السكن الاجتماعي بأنواعه، من الشعبي والعمالي والوظيفي إلى الشبابي والبديل والحكومي. ففي هذه المشاريع كانت الدولة تخصص الشقق وتبيعها للمواطنين بأقساط شهرية تمتد لنحو 25 عاماً، يبدأ تسديد الجزء الأكبر منها بعد تسليم المنزل، ما يخفف عن الأسر عبء دفع الإيجار والقسط معاً. وبهذه الطريقة حصل آلاف من ذوي الدخل المحدود على مساكن في مناطق مثل مساكن هنانو والمعصرانية والسكن الشبابي.
سعيد اليوسف، وهو موظف حصل على منزل في مساكن هنانو خلال تسعينيات القرن الماضي، يتذكر أن القسط الشهري كان يعادل تقريباً أجرة منزل في ذلك الوقت. ومع استمرار الدفع، أصبح مالكاً للشقة، التي بلغت كلفتها الإجمالية نحو 210 آلاف ليرة، أي ما كان يعادل قرابة أربعة آلاف دولار آنذاك.
“اللاذقية”.. الإسكان ترفع القسط 400% والأهالي يؤكدون أن القرار ظلمهم!
في عام 2002، أطلقت الحكومة السورية مشاريع أخرى، بينها السكن الشبابي في حلب. لكن الحرب قطعت مسار كثير منها، فتضررت أبنية، ووقعت مشاريع على خطوط الجبهات، فيما استلم بعض المكتتبين منازلهم بأسعار ما قبل الحرب التي كانت تدور حول 600 ألف ليرة، وبقي آخرون ينتظرون تخصيص شققهم أو استكمالها.
دفاتر للبيع.. وبيوت مؤجلة
بدأنا البحث هذه المرة عن دفتر اكتتاب في جمعية سكنية. أرخص ما وجدناه كان معروضاً بنحو ثلاثة آلاف دولار، لدفتر في برجيات الأشرفية، قبل احتساب ما قد يترتب لاحقاً من دفعات مع تقدم المشروع.
وترتفع الأسعار سريعاً بحسب المشروع وأفضلية الاكتتاب. ففي مشروع “N4” على طريق الكاستيلو، تراوحت أسعار الدفاتر بين خمسة وثمانية آلاف دولار، ووصلت في جمعية أخرى في الشهباء الجديدة إلى نحو 20 ألف دولار. أما في مشروع “W3″، فتراوحت العروض بين 16 و40 ألف دولار، رغم أن المشروع لا يزال في مرحلة تنفيذ البنية التحتية. وبحسب صاحب مكتب عقاري يعرض دفاتر فيه للبيع، تدور الوعود حول تسليم الشقق بعد أربع سنوات.
في السكن الشبابي بالمعصرانية، وجدنا أسعاراً أقل. عرض أحد أصحاب الدفاتر حق اكتتابه، مع الدفعات التي سددها، مقابل أربعة آلاف دولار، رغم أن الأبنية لم تُشيد بعد ولم تُخصص الشقق للمكتتبين. ويقول إن قيمة الدفتر قد ترتفع إلى نحو عشرة آلاف دولار بمجرد تخصيص المنزل.
هذه الفوارق في الأسعار تكشف عن سوق قائمة لبيع حقوق الاكتتاب وشرائها، حتى في مشاريع لم تصل بعد إلى مرحلة البناء. ومع ارتفاع كلفة الدفاتر والدفعات اللاحقة، أصبح الوصول إلى هذا النوع من السكن أكثر صعوبة بالنسبة إلى ذوي الدخل المحدود، في وقت دخلت فيه المكاتب العقارية والوسطاء على خط بيع الدفاتر، إلى جانب أشخاص يشترون أكثر من دفتر في جمعيات مختلفة، رغم القيود القانونية على ذلك.
لكن السعر ليس وحده ما يواجه المشتري. فشراء دفتر في جمعية سكنية يعني، في كثير من الحالات، شراء حق في مشروع لم يكتمل بعد، وقد لا يكون البناء فيه قد بدأ أصلاً. ولا تزال جمعيات تواجه مشكلات في تخصيص الأراضي أو تنفيذ البنية التحتية وإطلاق أعمال البناء، ما يجعل المدة الفاصلة بين شراء الدفتر واستلام المنزل مفتوحة على سنوات من الانتظار.
سوريا: المكتتبين على شقق في المشاريع السكنية يورثونها لأحفادهم؟
حاولنا الحصول على رد من خمس جمعيات سكنية بشأن هذه المشكلات. أُغلق أحد الهواتف بعدما عُرف أن الاتصال صحفي، فيما كانت بعض الأرقام الأخرى معطلة أو لم يجب عليها أحد. ولم نتمكن بالتالي من الحصول على توضيحات منها بشأن مدد التنفيذ أو الكلف أو أوضاع المكتتبين.
هذا الانتظار الطويل ربما يُذكر بمقولة يعرفها سوريون منذ سنوات، بأن بيت الجمعية الذي ستدفع أقساطه لن تسكنه يوماً، ولن يكون أكثر من ميراث لجيل أولادك وربما الأحفاد. واليوم، لا ترتبط المشكلة بطول الانتظار وحده، بل بكلفة دفتر الاكتتاب والدفعات المتلاحقة وأسعار البناء التي أبعدت هذا الخيار نفسه عن كثير من محدودي الدخل.
في نهاية رحلة البحث، لا تقود الأسعار المنخفضة في حلب بالضرورة إلى منزل يمكن امتلاكه والسكن فيه. فالسوق الأرخص يقود إلى مساكن متضررة أو ناقصة الإكساء أو ملتبسة الملكية، بينما تحتاج مشاريع الجمعيات إلى آلاف الدولارات قبل بدء البناء، ثم إلى دفعات أخرى مع تقدمه، ومع تقلص خيارات السكن الاجتماعي، يبقى الإيجار الخيار المتاح لكثير من الأسر، رغم استنزافه جزءاً كبيراً من دخلها.
هذه المادة هي نتاج ورشة صحفية مشتركة لشبكات الإعلام والصحافة التعاونية في سوريا، نظمتها مؤسسة MiCT الإعلامية بالتعاون مع 12 مؤسسة إعلامية سورية مستقلة.








