حلب المحاصرة بين نقيضين .. مدينة انقسمت على نفسها ووحّدها زعيمها التاريخي
أزمات خدمية ترحّب بالزوار على مداخل حلب .. وحلم النهوض لا يفارق أهلها

بعد مرور أكثر من 18 شهراً على سقوط نظام الأسد، لا تزال مدينة “حلب” ترزح بين حقبتين ونقيضين، بين أحياءٍ تحاول استعادة نبضها وأخرى تنتظر انتشالها من الدمار، فيما يكافح أهلها للنجاة في مواجهة ظروف الحياة اليومية.
سناك سوري_ هبة الكل
معرفة “حلب” عبر الكتب ونشرات الأخبار وروايات الأصدقاء لا تقدّم صورة وافية عنها، بينما تلخّص الساعات الخمس على الطريق الواصل بين “دمشق وحلب” حكاية سوريا على مدى 14 عاماً مضت، ويستدعي ذاكرة أماكن طالما تصدّرت أخبار المعارك بدءاً من “حمص” مروراً بـ”حماة” ثم “المعرة” “خان شيخون”.
وبعد طول انتظار تظهر لافتة ترحيبية عند مدخل مدينة “حلب” معلنةً الوصول إلى عاصمة الشمال وشريان سوريا الاقتصادي، المدينة التي تبدأ شرح تناقضها ومفارقاتها منذ اللحظة الأولى لدخولها.

أول ما ظهر من المدينة لم يكن القلعة ولا الأسواق، بل طابور طويل من السيارات أمام محطة وقود، يحجب جزءاً من الأفق، كان ذلك أول درس تمنحه المدينة لزائرها: الحياة تبدأ من التفاصيل اليومية.

الدمار.. دليل حي
من كراج الراموسة إلى الفندق، تحولت سيارة الأجرة إلى دليل سياحي، يرشدنا السائق للأحياء من خلف المقود: «هون صلاح الدين… هي الحمدانية… وهناك الملعب الدولي»، الكثير من اللوحات الإرشادية للأحياء اختفت، بينما يحتفظ السكان بأسمائها في ذاكرتهم.
على جانبي الطريق، تتغير المشاهد بسرعة، مبانٍ فقدت نصفها، بينما يقف نصفها الآخر يقاوم السقوط، شرفات بلا جدران، سلالم ممزقة في الهواء، ونوافذ مفتوحة على فراغ، ورغم مرور سنوات على توقف المعارك، يظهر بعض الدمار وكأنه وقع بالأمس في بعض الأحياء، وفي أخرى، عادت حياة مكان للعمل والدوران، حينها تدرك أنّ الحياة في حلب، لا تنتظر انتهاء الركام، بل تمضي بمحاذاته.
مدينة عالقة بين زمنين
داخل المدينة، يصبح واضحاً أنّ حلب لا تشبه الصورة التي يرسمها عنها آخرون، ليست مدينة مُدمّرة بالكامل، ولا مدينة تعافت بالكامل، مدينة تعيش بين بين.
بين زمن الحرب، الذي لا يزال حاضراً في ذاكرة سكانها وواقع عمرانها، وزمن الحاضر، المثقل بالأزمة الاقتصادية وتراجع الخدمات وهجران السكان، فلا يحتاج الزائر إلى خرائط وأرقام ليدرك حجم التفاوت، بين شارع “القوتلي” المزدحم بالمقاهي والمحال يحاول استعادة مكانه الطبيعي، وبعد دقائق فقط، يقوده الطريق إلى مشاهد أبنية مدمرة في حي “العزيزية”، سيتضح أنها أبنية تهدّمت بفعل الزلزال.
في الطريق إلى حي الموكامبو، أحد أكثر أحياء حلب حيوية، بادرني سائق التاكسي الأربعيني، أبو سعيد، بجملة بدت أقرب إلى تنفيسة منها إلى موقف سياسي، وبمرارة قال: «يا ريت تاخدنا تركيا»، ثم يستدرك، خشية أن يُساء فهمه: «ما قصدي تحكمنا… بقصد يا ريت تدخل تستثمر هون.. بركي بيتحسن اقتصاد حلب».
لم يكن أبو سعيد يتحدث عن السياسة وأنظمتها، بل عن مدينة تشتكي غياب الاهتمام الحكومي الكافي، عن أزمات المياه والاتصالات، والطرقات، والخدمات، وفرص العمل، وفي حديثه، كأحاديث كثير من الحلبيين، يظهر تعبير الشرقية والغربية، بوصفهما انقساماً مكانياً أكثر من جغرافي، واختصاراً لسنوات من التفرقة عاشتها المدينة، حين كانت الأحياء الشرقية تحت سيطرة فصائل المعارضة، بينما بقيت الأحياء الغربية تحت سيطرة نظام الأسد.
ورغم انتهاء المعارك، لا يزال هذا التقسيم يعيش في الذاكرة، يقول أبو سعيد: «في ناس لهلأ بتحكي عن الشرقية والغربية… مو لأنه الحرب ما خلصت… لأنه ذكرياتها لسه موجودة».
الانقسام بين المنطقتين لا يرتبط فقط باختلاف السيطرة خلال سنوات الثورة، فالأحياء الشرقية طالما كانت تاريخياً أحياءً شعبية تتسم بالفقر ولا تحظى باهتمام رسمي يقدّم لها الخدمات التي تليق بسكانها، مقابل أحياء غربية أكثر حداثة تتسم بارتفاع أسعارها وغلاء السلع في محالها، ما يظهر حالة انقسام طبقي تعزّزه سياسات إنماء غير متوازن فرضت مظاهرها على المنطقتين.

الصورة واحدة
وسط هذا التباين، ومع اقتراب الغروب، تتجه الحركة اليومية نحو ساحة سعد الله الجابري، مساحة تأتي لتخفف من حدّة الاختلافات، نقطة مشتركة يلتقي عندها الجميع، هناك تجد أطفالاً يقودون دراجاتهم، عابرين يكتفون بالمراقبة، وعائلات تجلس على المقاعد، فيما يختار آخرون الجلوس على أرضيتها، مستفيدين من اتساع الساحة التي تحولت، مع مرور الوقت، إلى متنفس مجاني في ظل ارتفاع التكاليف والأسعار.
يقول “أبو موسى” القادم من ريف المدينة: «هون بتلاقي الغني والفقير… الكل بيجي على ساحة سعد الله.. وكلنا منعرف شو هي ساحة سعد الله»، تظهر الساحة كغرفة جلوس عامة لمنزل كبير اسمه حلب، مكان لا يحتاج الدخول إليه إلى ثمن، ولا إلى موعد، وإن كانت الكثير من الأمكنة قد تبدلت، لكن الساحة بقيت القبلة الجامعة للمواطنين والمواطنات، إذ تحمل اسم الجابري، أحد أبرز قادة الحركة الوطنية السورية في مرحلة الاستقلال.
في إحدى أمسيات الزيارة، نُصبت شاشة عملاقة في طرف الساحة على حدود الحديقة العامة، لنقل مباريات كأس العالم 2026، يبدأ الناس بالتوافد تباعاً، امتلأت الساحة قياماً وقعوداً وعلى الجنبات، ترتفع أصواتهم مع كل فرصة، ومعها تختفي الفروقات بين الناس، ومع ذلك، لا تعكس الساحة سوى وجهاً واحداً من وجوه حلب، فعلى بعد دقائق مشياً، يتغير المشهد.
الأسواق تبحث عن نفسها
من شارع القوتلي إلى ساحة باب الفرج، ترتفع ساعة حجرية شهيرة فوق حركة المارة والسيارات، هنا يبدأ انتقال المكان من الحداثة إلى التاريخ.
كل خطوة نحو أسواق حلب القديمة، تذكّر الزائر بأحد أهم شبكات الربط التجاري في المشرق، حين كانت تلك الأسواق عقدة وصل لطريق الحرير بين الأناضول وبلاد الرافدين وبلاد فارس، غير أنّ ندوب الحرب واضحة، محلات أعيد ترميمها وفتحت أبوابها من جديد، وأخرى مغلقة تختزن آثار الشظايا والحريق وأطلال زلزال شباط 2023.

ورغم ذلك، لا تبدو الأسواق خالية، يتنقل الزوار بين خاناتها، بين مشترٍ وملتقط لصور، يقول لي صاحب محل عصرونية: «في ناس كتير بتيجي لتشوف الأسواق والقلعة… بس ما كتير في حركة شراء».
يربط الرجل هذا التراجع بالأزمة الاقتصادية، والقدرة الشرائية، إلى جانب انتقال جزء من النشاط التجاري إلى أحياء أخرى “الفرقان”، حيث الوصول إليها أسهل، بعيداً عن ذاكرة الركام وشبح الخراب.
الطرب كهوية مستمرة
وإن كانت الأسواق القديمة قد صاغت قصة حلب التجارية، ففي تكاياها جانب آخر لهوية التصوف والطرب، تقف “التكية المولوية- جامع الملخانة” امتداداً طبيعياً لذاكرة مدينة ما تزال تحرس قدودها، رغم كل ما حصل، الموسيقى هنا ليست ترفاً ثقافياً، بل جزءاً من كينونة حياة، التي حافظ بها كثير من السكان على شعورهم بالاستمرارية.
على بعد خطوات من شارع البارون، تبصر التكية المولوية مهملة مهجورة للزمن، بعد أن كانت لعقود مركزاً للطريقة المولوية الصوفية في سوريا، عقب إغلاق تكايا تركيا مطلع القرن العشرين، لكن المكان اليوم، لا يشهد حركة الماضي، إلا أنه يظل شاهداً على تاريخ ديني وثقافي جعل من حلب محطة مهمة في مسار التصوف والموسيقى الروحية.
بجوار التكية، يقود باب خشبي إلى فناء بيت عربي قديم، تحول المكان منذ عقود إلى مقهى المولوية “قهوة الملخانة”، يجتمع فيه أبناء المدينة وزوارها حول أمسيات العود والقدود، عند الزاوية اليسرى، يجلس عازف عود، يضبط أوتاره على دوزان الدراويش العشاق، لم يتردد عن تلبية طلب أغنية من التراث الحلبي، فانطلق : “قومي ورجيني على طولك”، لتجد بعض الجالسين يرددون الكلمات مع حركات دورانية كتحدي للبقاء.
في جولة أخيرة قبل نهاية الزيارة، يرشدنا صديق إلى معالم الطريق، فهذا فندق فجّرته الفصائل خلال الثورة، وذاك المبنى الضخم قصفه نظام الأسد، وإلى الأمام مبانٍ دمّرها الزلزال، تعدّدت الأسباب وموت الأماكن واحد.
حلب، كغيرها من المدن الناجية من الحروب، قد لا تملك رواية واحدة، ولا زمناً واحداً، فلكلّ حي منها قصته، ولكل شارع فيها إيقاعه، ولكل زقاق إليها زمانه، غير أن الغالبية يلتقون عند حقيقة: وحدها الشعوب، الخاسر الأكبر في أغلب الحروب.
أغادر حلب، دون اكتمال المشهد، ومع ذلك، لم يكن بين من التقيتهم من يتحدث عن الماضي، بل عن المستقبل والإعمار والبناء، ويبقى في ذاكرتي ما يلفت الانتباه، ليس الركام وحده، بل الإصرار على اختبار الاستمرار.



















