أخر الأخبارالرئيسيةسوريا الجميلة

حارة بيت جدي.. فعالية تستعيد ذاكرة صافيتا من القلعة إلى الـ”بو آمون”

مساحة تعبير للشباب واستعادة ذكريات الطفولة .. روائح الحارات وبيوت الجدّات

بين حجارة حي القلعة المجاور لبرج صافيتا، وفي الملتقى العائلي للنادي الأهلي الاجتماعي، يحاول عدد من شباب المدينة إعادة إحياء تفاصيل قد تبدو بسيطة، لكنها تحمل ذاكرة أجيال كاملة. فمن الأول وحتى الخامس من آب، تستضيف صافيتا فعالية “حارة بيت جدي” التي تجمع التراث المحلي بالحِرف اليدوية والمأكولات الشعبية في تجربة تستهدف مختلف الأعمار.

سناك سوري _ جنا مصطفى

الفعالية تضم سوقاً لمنتجات تراثية صنعتها أيادٍ محلية، من المونة البيتية والمربيات وماء الورد والزعتر والكشك، إلى الكروشيه والشموع اليدوية والخشبيات والطائرات الورقية والنباتات الطبيعية، إضافة إلى معرض للأدوات التراثية القديمة، وصور أرشيفية توثق ذاكرة صافيتا، وأخرى حديثة، ولوحات تستلهم عمارتها.

وقال منسق الفعالية ” كنان عيسى” لـ سناك سوري إن “حارة بيت جدي” جاءت كمحاولة لإحياء تراث صافيتا بطريقة معاصرة، تجمع الحِرف التقليدية والذاكرة البصرية وفنون العمارة المحلية، مع مساحة صغيرة تعيد للأطفال تجربة اللعب في الحارة كما عاشها الأهل والأجداد.

وأضاف “عيسى” أن اسم الفعالية ولد من ملاحظة بسيطة، فالحارات التي كانت تضج بالأطفال في صافيتا أصبحت أقل حضوراً مع التوسع العمراني وتغير نمط الحياة، لتتحول الفكرة إلى محاولة لاستعادة هذا المشهد ولو لعدة أيام.

مساحة تعبير للشباب

ولا تقتصر الفعالية على الكبار الذين يستعيدون ذكرياتهم، بل تحاول أيضاً تعريف الأطفال والشباب على تفاصيل لم يعيشوها، من منقل العرانيس المشوية إلى “النملية” والمونة والأكلات التراثية التي اشتهرت بها المدينة، في وقت باتت فيه الشاشات حاضرة في تفاصيل الحياة اليومية.

ويرى “عيسى” أن التكنولوجيا تبقى وسيلة للتوثيق، لكنها لا تستطيع أن تمنح الإنسان تجربة العيش نفسها، لذلك تبقى اللقاءات المباشرة والأنشطة المجتمعية ضرورية للحفاظ على الذاكرة المشتركة.

وأكد أن معظم المشاركين من أبناء صافيتا وريفها القريب، بينهم حرفيون وأصحاب تجارب معروفة في المجتمع المحلي، فيما يلفت حضور عدد من الشباب الذين يقدمون الحرف التقليدية بروح وأساليب جديدة، معتبراً أن هذه الفعاليات تمنحهم مساحة للتعبير عن أنفسهم والتواصل المباشر مع الناس بعيداً عن العالم الافتراضي.

النادي الأهلي الاجتماعي يسعى دائماً بحسب “عيسى” إلى توفير مساحات للشباب لاكتساب خبرات في العمل الثقافي والاجتماعي وتنظيم الفعاليات، مشيراً إلى أن المدينة لا يمكن أن تكتفي بعدد معين من المساحات الثقافية، فكل مساحة جديدة تمثل فرصة إضافية للشباب والمجتمع.

أما عن اختيار المكان، فيؤكد “عيسى” أن حي القلعة ليس مجرد موقع للاستضافة، بل جزء من الفعالية نفسها، حيث كانت من أولى  فعاليات النادي تحويل هذا المكان من خرابة مهجورة إلى مركز ثقافي وفني واجتماعي، بالإضافة لما يحمله من طابع أثري وروح تشبه عمارة برج صافيتا، ما يمنح الزائر إحساساً أقرب إلى العودة لزمن الحارات القديمة.

منتجات تحمل حنين المغتربين

من بين المشاركات، تعرض “غانية الدالي” تشكيلة من المونة البيتية تشمل الكشك البلدي والزعتر والمكدوس والمربيات وماء الورد وماء الزهر، مؤكدة أن هذه المنتجات لا تزال مطلوبة، خاصة من السوريين المغتربين.

وتقول إن الطلب عليها يرتبط بالحنين إلى البيت والأمهات والجدات، مشيرة إلى أن منتجاتها تصل إلى الولايات المتحدة وكندا ودول الخليج ولبنان، وأن هذه المهنة توارثتها عن والدتها، وتأمل أن تستمر مع الأجيال القادمة.

الكروشيه.. التراث بلغة جديدة

الشابة كارلا ماريا عبود (20 عاماً) تشارك بمجموعة من أعمال الكروشيه المستوحاة من التراث السوري، وتقول إن المعارض تمنح الحرفيين فرصة لعرض أعمالهم مباشرة أمام الناس، وهو ما يساعدهم على إيصال قيمة العمل اليدوي ودقته.

وترى أن الاهتمام بهذه المنتجات عاد للارتفاع، لأن كثيرين يبحثون عن قطع مختلفة تضيف لمسة شخصية بعيداً عن المنتجات المتشابهة، معتبرة أن امتلاك الشباب لمهارة يدوية يمنحهم مساحة للتعبير عن أنفسهم وتطوير قدراتهم.

“بو آمون”.. وجبة تحكي لهجة صافيتا

أما وفاء عطية، وهي معلمة متقاعدة، فتقدم عدداً من المأكولات التراثية الخاصة بالمنطقة، أبرزها “بو آمون” و”القريميطة” و”قراص الأربعين”.

وتوضح أن “بو آمون” من الأكلات التي اشتهرت بها صافيتا، ويحضّر من البرغل الناعم مع الحمص والبصل والنعناع اليابس والفليفلة، قبل أن يحشى داخل عجينة خاصة ويخبز.

وتؤكد أن هذه الأكلة لا تزال تحظى بإقبال كبير، حتى من أشخاص لا يجيدون إعدادها فيلجؤون لمن يصنعها، مشيرة إلى أن عرضها في الفعاليات التراثية يساهم في الحفاظ على جزء من هوية المدينة ونقل هذا الإرث إلى الأجيال الجديدة.

وبين صور الماضي وروائح المونة وأصوات الزوار، تحاول “حارة بيت جدي” أن تثبت أن التراث ليس مجرد مقتنيات قديمة، بل ذاكرة يمكن أن تعاش من جديد، ولو لأيام قليلة، في قلب صافيتا.

أنتجت هذه المادة ضمن زمالة سناك سوري 2026.

زر الذهاب إلى الأعلى