معتقلون مغيبون.. حكايات منسية تبحث عن عدالة لاتسقط بالتقادم
مو معقولة كلهم ماتوا
استضاف متحف دير الزور الوطني فعاليات معرض “معتقلون ومغيبون”، والذي تنظمه مؤسسة “فكرة إبداعية” بهدف تسليط الضوء على ملف المغيبين قسرياً والمعتقلين في سوريا. وتعد محافظة دير الزور المحطة الثامنة في جولة المعرض الذي يسعى لإيصال صوت الضحايا وعائلاتهم إلى المجتمع والجهات الدولية.
سناك سوري – فالنتينا محمد
وقالت “سنا يازجي” وهي مديرة “فكرة إبداعية” إنه: «يحمل صوت الذين لا صوت لهم من المفقودين وعائلاتهم والمجتمع المحيط

بهم. وجودنا اليوم في المحطة الثامنة بمتحف دير الزور الوطني هو للمطالبة العلنية بالعدالة، وكشف مصير المغيبين، ومحاسبة المسؤولين عن هذا الملف الذي يمثل أقسى الملفات الإنسانية على المجتمع السوري».
وأضافت “سنا”: «هذا الملف باقٍ في الذاكرة الحية ولا يمكنه السقوط بالنسيان أو التقادم. الحل يتطلب تواصلاً جاداً وشفافية كاملة مع الأهالي، فالناس يحتاجون إلى معرفة مصير أحبائهم كحاجة أساسية توازي احتياجاتهم المعيشية، ليمتلكوا القدرة على استشراف المستقبل وبناء حياة مستقرة».
ذاكرة الزنزانة العصية على النسيان:
يروي المعتقل السابق عبد الرحمن العبد الله، وهو من أبناء محافظة دير الزور، تفاصيل تجربة اعتقاله التي بدأت عام 2012 عند حاجز الأمن العسكري على جسر الجورة. ويقول العبد الله: «كنت أنا المطلوب الأساسي للحاجز، لكن والدي رفض تسليمي بشكل منفرد فاعتقلوه معي. خضعنا لتحقيقات قاسية تضمنت أساليب تعذيب متعددة كالصعق بالكهرباء، والشبح، والدولاب، مما دفعني للاعتراف بالتهم الموجهة إلي لحماية والدي وإنقاذه، وكان المحقق المسؤول يدعى ورد».
ويتابع العبد الله مسيرة تنقله بين المعتقلات: «ورغم أنني معرّض لنسيان الكثير من تفاصيل حياتي اليومية، إلا أن لحظات الاعتقال محفورة بدقة في ذاكرتي، وهو ما دفعني بعد التحرر إلى زيارة فرع الأمن العسكري بدير الزور والدخول مجدداً إلى المنفردة والمهجع اللذين احتُجزت فيهما».
نداء الأمهات والزوجات
طاللبت المعتقلة السابقة انتصار والملقبة (أم الثوار) بالالتفات العاجل لمعاناة عائلات المفقودين، متسائلة عن مصير آلاف المفقودين. وقالت: «هدفنا الأساسي هو إيصال صوتنا إلى العالم أجمع ليتأثر الجميع بمعاناة أهالي المعتقلين والمعتقلات، من أمهات وزوجات وأطفال. هناك أطفال ولدوا دون أن يروا آباءهم، وأمهات يقضين العمر بانتظار معرفة مصير أبنائهن. نتوجه بالطلب إلى جميع المسؤولين ورئيس الدولة للنظر المباشر في هذا الملف وتحمل مسؤولياتهم تجاه هذه المعاناة الإنسانية الكبيرة».
إرث الغائبين في عيون الأطفال
وفي لفتة مؤثرة، شاركت طفلة فقدت خالها محمد عماد الدين الجاجان منذ عام 2013 شهادتها من خلال قصيدة أهدتها لروحه. وتقول الطفلة: «اعتقل خالي عام 2013 ولم تسنح لي الفرصة لأعرفه شخصياً، بل أراه في الصور فقط وتحدثني أمي عنه كل يوم. طيفه حاضر معنا في تفاصيل حياتنا اليومية وأفراحنا وأحزاننا. كان جميلاً كريماً وطيب القلب، ورحل شاباً دون وداع نتيجة الألم والتعذيب. وقبل نقله إلى سجن صيدنايا، أرسل لنا رسالة يطلب فيها الدعاء له». وختمت حديثها بالقول: «رحم الله من غاب عن عيوننا وبقي حياً في قلوبنا، هذه الكلمات لروح خالي ولكل الشهداء الذين يشبهونه من الشباب والنساء والشيوخ الذين رحلوا بصمت».
يستمر معرض “معتقلون ومغيبون” في تقديم مساحته التوثيقية كجزء من الجهود المدنية السورية المستمرة لإبقاء قضية المغيبين حاضرة في المشهد العام، ولتأكيد أحقية الأهالي في معرفة مصير أبنائهم كخطوة أولى نحو الاستقرار المجتمعي.









