أخر الأخبارالرئيسيةفن

3 سوريات يفزن بمنحة الكتابات الإبداعية .. حكايا سورية ترويها النساء

رؤى إبراهيم تحكي قصص النساء بلا مواعظ .. ومجازر الساحل أوقفت بتول أبو علي عن الكتابة

حصلت 3 أعمال أدبية لكاتبات سوريات على منحة برنامج “الكتابات الإبداعية والنقدية” التابع للصندوق العربي للثقافة والفنون “آفاق” في دورة 2026، وتوزعت على مجموعة “سي سو” للكاتبة والصحفية “رؤى إبراهيم” و”نساء حبيسات” للكاتبة “بتول أبو علي” و”هل أتاك حديث الغابة؟” للكاتبة “هنادي زرقة”.

سناك سوري _ جنا مصطفى

تتكون مجموعة “سي سو” لـ”رؤى إبراهيم” من 12 قصة قصيرة وتشير في عنوانها إلى “لعبة الميزان” التي يلعبها الأطفال في الحدائق كرمز للتوازن بين الخفة والثقل، وتطرح خلالها ثنائية الخفة والثقل على طريقة “ميلان كونديرا” في روايته “كائن لا تحتمل خفته”، وتقول في حديثها لـ سناك سوري إن التصنيف يعتمد على الشعور الداخلي للشخصية في نهاية كل قصة.

وتضيف أنها تمنح شخصياتها مساحة واسعة لرواية الأحداث من وجهة نظرها، انطلاقاً من قناعة بأن لكل إنسان مبرراته الداخلية لأفعاله، حتى عندما يبدو السلوك للآخرين غريباً أو متناقضاً مع المعايير الاجتماعية.

حسن سامي يوسف يُحيي رواية فتاة القمر بعنوان الغفران

ولا تبتعد المجموعة، بحسب “رؤى”، عن الواقع السوري اليومي، فالكراجات ووسائل النقل والسرفيس والعمل والمدينة والحرب تظهر في القصص، ليس باعتبارها خلفيات للأحداث فقط، وإنما كمساحات تتشكل فيها الشخصيات وتختبر هشاشتها.

وتقول “رؤى” إنها كتبت المجموعة قبل أن تعرف نفسها بأي صفة أخرى: كأم، أو طالبة، أو صحفية، أو موظفة. لذلك حضرت في النصوص شخصيات تشبه الناس الذين يحيطون بها، ووجدت أن الإنسان، رغم اختلاف ظروفه، يحمل قواسم مشتركة مع الآخرين.

التجربة السورية، بما حملته من حرب وموت وتهجير ومجازر وكراهية، دفعت الكتّاب إلى كسر موضوعات وأشكال سرد تقليدية، والبحث عن أدوات جديدة لاستيعاب ما حدث الكاتبة بتول أبو علي

أم تكتب بين الرضاعة والعمل

لم تكن كتابة “سي سو” منفصلة عن الحياة اليومية لكاتبتها، حيث بدأت “رؤى” العمل على المشروع عندما كانت طفلتها في عمر 4 أشهر، بالتزامن مع عملها في وظيفة حكومية ومسؤوليات المنزل والأمومة.

تقول “رؤى” إن كتابة المجموعة في تلك الظروف كان إنجازاً بحد ذاته، خصوصاً في واقع تصبح فيه حاجات الأسرة والأطفال أولوية على الاحتياجات الشخصية، فيما تبدو الكتابة أحياناً رفاهية مؤجلة.

علاقة الكاتب بالقارئ السوري تعاني أحياناً من مسافة تجعل الكاتب يبدو وكأنه يعيش في كوكب منفصل عن الناس الكاتبة رؤى إبراهيم

 

ويظهر الحضور النسائي بوضوح في المجموعة، حيث تقول “رؤى” إن نصف القصص تقريباً تتناول معاناة النساء في العمل والحمل والأمومة ومحاولات الاندماج والحصول على القبول الاجتماعي، إلا أنها لم تكن تريد طرح هذه القضايا كخطاب مباشر عن حقوق النساء، بل من خلال تجارب إنسانية قد تدفع القارئ إلى التوقف أمام ما تعيشه النساء واكتشافه من خلال القصة.

المئذنة البيضاء ويعرب العيسى .. من كتب هذه الرواية؟

وفي إحدى القصص الختامية، تقترب “رؤى” من تجربة شخصية مؤلمة مرتبطة باستئصال الرحم، تبدأ الحكاية من معاناة الحمل، ثم تنتقل إلى الفقد الداخلي والتعامل النفسي مع فقدان جزء من الجسد، وصولاً إلى محاولات استعادة الذات بعد تجربة مؤلمة.

وترى صاحبة “سي سو” أن علاقة الكاتب بالقارئ السوري تعاني أحياناً من مسافة تجعل الكاتب يبدو وكأنه يعيش في كوكب منفصل عن الناس، فالقراءة، في ظل الظروف الاقتصادية، قد تصبح بالنسبة للمواطن السوري رفاهية، بينما يمثل شراء الكتاب تكلفة تقتطع من احتياجات أساسية أخرى، ما دفعها لمحاولة الكتابة بلغة بسيطة دون أن تكون مبتذلة، وتقدّم قصة ممتعة تحمل فكرة أو سؤالاً دون أن تتحوّل إلى موعظة أو حكاية فارغة.

«نساء حبيسات».. القيود التي لا تحتاج إلى جدران

تقول “بتول أبو علي” لـ سناك سوري إن النساء في مجموعتها يمكن أن يكنّ أي امرأة في المجتمع، فهنّ لسن حبيسات خلف جدران أو قضبان، وإنما عالقات تحت وطأة قيود اجتماعية ونفسية وجسدية وسياسية.

من هي الكاتبة السورية التي تزوجت محمود درويش وباتريك سيل؟

وتنطلق كل قصة بحسب الكاتبة من تجربة وسؤال مختلفين: ماذا يحدث للمرأة عندما تجد نفسها في جسد لا تختاره، أو دور لا يناسبها، أو حلم لا تستطيع تحقيقه، أو خوف لا تستطيع تجاوزه؟

ولا تحصر “بتول” هذه الأسئلة في التجربة السورية وحدها، فبعض القصص تنطلق من خصوصية سورية، من الفقر والخوف والمجازر وما عاشه السوريون، لكنها تحاول تحويل هذه التجارب إلى مجاز إنساني أوسع، لأن القهر والاستلاب والتمرد على القوالب الجاهزة، بحسب رأيها، تجارب تتقاطع فيها النساء في أماكن وأزمنة مختلفة.

وترى “بتول” أن القيود المفروضة على الكتابة مستمرة وإن تغيرت أشكال الرقابة وأساليبها، وتعتقد أن الرقابة الاجتماعية والأخلاقية في سوريا تظهر بشكل خاص في ما يتعلق بالنساء وتتحول وسيلة لإسكاتهنّ وإقصائهنّ، مشيرة إلى أن الخوف من إسقاط النص على حياة الكاتبة قد يكون حاضراً، لا سيما حين تكتب عن العنف أو التمرد أو التجارب الشخصية، إلا أنها تجاوزت هذا الخوف لأن التخوّف من سوء الفهم قد يؤدي إلى كتابة باهتة وغير أصيلة وفق حديثها.

حين تصبح الكتابة طريقة للمقاومة

وتروي “بتول” إنها شعرت في فترات كثيرة بأن الكتابة ترف لا يسمح به الواقع، وخصوصاً خلال العام الماضي، في فترة مجازر الساحل وما تلاها من عنف ممنهج، حين فقدت القدرة، بحسب تعبيرها، ليس فقط على الكتابة وإنما حتى على التواصل والكلام، لكنها عادت إلى الكتابة باعتبارها مساحة تسمح للداخل الإنساني بالظهور بكل تعقيداته.

وأضافت في حوارها مع سناك سوري أن الكتابة صارت أيضاً وسيلة لمقاومة المحور والاستلاب،عبر حفظ الذاكرة وسرد الحكاية، وفي الوقت نفسه شكلاً من أشكال الجمال في مواجهة ما تصفه بالقبح والظلام.

البومة المتمردة .. “غادة السمان” كاتبة الاعتراف والتعرية

وهنا تلتقي «نساء حبيسات» مع «سي سو» في تحويل التجربة الفردية إلى مادة أدبية، فالألم لا يبقى مجرد تجربة شخصية، بل يتحول إلى حكاية يمكن أن يراها قارئ آخر ويعيد التفكير فيها.

ثلاث سوريات.. وفرح خاص في الساحل

يحمل فوز ثلاث سوريات في هذه الدورة معنى خاصاً بالنسبة إلى الكاتبتين، ولا سيما أنه يأتي في سياق صعب تعيشه مناطق الساحل السوري.

تقول “رؤى” إن حضور ثلاث سيدات سوريات في منحة أدبية مرموقة يمثل بالنسبة لها إنجازاً للنساء عموماً والسوريات خصوصاً، وترى في ذلك أيضاً فرصة لمواجهة الصور النمطية التي يمكن أن تُعمّم على منطقة كاملة أو سكانها.

في حين تربط “بتول” فرحتها بخصوصية المكان واللحظة، وتقول إن حصول مشاريع 3 نساء من الساحل السوري على الدعم، ضمن المشاريع الـ 22 المختارة، يمثل بالنسبة إليها سبباً خاصاً للفرح والفخر.

وتلفت “بتول” إلى أن هذا الفرح جاء في وقتٍ يعيش فيه الساحل السوري تحت ظلال الخوف والعنف، وتضيف قائلةً: «رغم ذلك نبقى نحفر بأظافرنا لأجل الجمال والحرية والضوء».

ولا يتوقف معنى الفوز بالنسبة لـ”بتول” عند حدود الجائزة نفسها، فهي ترى أن التجربة السورية، بما حملته من حرب وموت وتهجير ومجازر وكراهية، دفعت الكتّاب إلى كسر موضوعات وأشكال سرد تقليدية، والبحث عن أدوات جديدة لاستيعاب ما حدث.

أنجزت هذه المادة ضمن زمالة سناك سوري 2026.

زر الذهاب إلى الأعلى