النشاط السياسي والمدني في طرطوس انحدار سريع بعد صعود مؤقت
كيف انكفأت المشاركة السياسية والمدنية في طرطوس ؟

شهدت مدينة “طرطوس” عقب سقوط النظام، نشاطاً مدنياً واسعاً احتضنت خلاله المقاهي ناشطي المحافظة وأبناءها لمناقشة الملفات السياسية مثل المرحلة الانتقالية وشكل الدستور والبرلمان وسقف الحريات وغيرها، لكن هذا النشاط سرعان ما تراجع لاحقاً، فما الأسباب التي تقف خلف هذا التراجع؟
سناك سوري _ محمود مرهج
تراجع النشاط السياسي في “طرطوس” يمثّل جزءاً من تراجع الأنشطة السياسية في عموم سوريا، حيث مرّ أكثر من عام ونصف على سقوط النظام، بقيت خلالها الحالة القانونية للنشاط السياسي غامضة، وتراوحت بين اشتراط الحصول على موافقة من “إدارة الشؤون السياسية” وغضّ الطرف عن الاجتماعات المصغرة، مقابل منع التجمعات في الشارع تحت مسمّى الحاجة لترخيص التجمعات.
المشكلة بدأت مع إيقاف السلطة أي تجمعات “غير مرخصة”، وتحذير المقاهي لرفض استضافة أي تجمع دون ترخيص مسبق. عضو تجمع سوريا الديمقراطية أشواق سليمان
تجمع مواطنة يعلن خوض حوار مع الشؤون السياسية لاستعادة أنشطته
وقالت عضو تجمع سوريا الديمقراطية في طرطوس “أشواق سليمان” أن الناس وبعد التغيير الإيجابي الذي وقع في سوريا تحركوا لتشكيل تجمعات مدنية وقوى سياسية مع حماسة كبيرة في أروقة الندوات والاجتماعات، مضيفةً أن المشكلة بدأت مع إيقاف السلطة أي تجمعات “غير مرخصة”، وتحذير المقاهي لرفض استضافة أي تجمع دون ترخيص مسبق.
السلطة أصبحت اليوم أكثر نشاطاً في الفضاء العام، وقامت بالاستحواذ على جزء منه عبر الجمعيات والمنظمات التي تحصل على ترخيص المعتقل السياسي السابق أحمد محمد
وأضافت “سليمان” في حديثها لـ سناك سوري أنه تم إيقاف نشاط ثقافي لإحدى الجمعيات دون توضيح السبب ورغم وجود موافقة مسبقة، مشيرة إلى حادثة أخرى تم خلالها فض اعتصام سلمي دعت إليه قوى مدنية في “طرطوس” في 2025 للمطالبة بالتراجع عن قرار الفصل التعسفي للموظفين وبدء إجراءات العدالة الانتقالية، لكن تجمعاً مضاداً هاجم المشاركين في الاعتصام، من قبل أشخاص يحسبون أنفسهم على السلطة، وقد ساهمت هذه الحادثة في انكفاء الناس والتراجع بعد ظهور شكل من أشكال الانقسام والاستقطاب المجتمعي وفق حديثها.
غياب “الإذن الرسمي” يمنع إقامة مؤتمر الحركة السياسية النسوية في دمشق
هذه الحالة التي عاشتها “طرطوس” لم تكن بعيدة عن الأجواء التي حدثت في أماكن أخرى مثل “دمشق”، حيث أدت الهجمات “غير الرسمية” على المعتصمين والناشطين في تجمعات مطلبية إلى تراجع وتيرة هذه التجمعات، وكان آخرها حادثة توقيف ناشطين وناشطات لعدة ساعات بعد مشاركتهم في وقفة احتجاجية أمام البرلمان رفضاً لقرار رفع أسعار المحروقات.
من يتحمّل المسؤولية؟
المعتقل السياسي السابق “أحمد محمد” رأى أن جزءاً من الفراغ السياسي الحالي تتحمل مسؤوليته الأحزاب المعارضة التقليدية لغياب قواعد شعبية لها، بسبب بعض الممارسات السياسية الخاطئة سابقاً، مضيفاً أن القوى الوطنية تمرّ بمرحلة صعبة على حد تعبيره.
وتابع “محمد” لـ سناك سوري أن السلطة أصبحت اليوم أكثر نشاطاً في الفضاء العام، واستحوذت على جزء منه عبر الجمعيات والمنظمات التي تحصل على ترخيص، موضحاً أن هذه الجمعيات تقوم على نخب ذات سقف محدود في العمل المدني وفق حديثه.
وأضاف أن الناس عموماً يفتقرون للمعرفة في العمل السياسي بسبب إرث النظام السابق وغياب الممارسة، مبيناً أن العمل المدني الحقيقي يمرّ عبر النقابات، باعتبارها تشكيلات تحفظ مصالح أعضائها بعيداً عن الاعتبارات الطائفية أو الفئوية، مشيراً في الوقت ذاته إلى أن الظروف الاقتصادية الصعبة ساهمت في انسحاب الناس من الفضاء العام.
النشاط المدني تراجع تلقائياً على وقع صوت السلاح وأصبح غير قادر على التأثير رغم محاولة بعض التجمعات المدنية استعادة زمام المبادرة وإصدار بيانات لرفض العنف والدعوة للتهدئة الناشط المدني غدير غانم
مجازر الساحل .. النقطة الفارقة
الناشط المدني “غدير غانم” أرجع بدوره تلاشي العديد من التشكيلات الناشئة عقب سقوط النظام إلى ضعف الخبرة والتنظيم في العمل السياسي، وغياب الخطط والأهداف الواضحة ونقص الانسجام بين أعضائها.

وفيما أجمع الناشطون الثلاثة على دور مجازر الساحل الطائفية في آذار 2025، في انحسار النشاط المدني وتوقف الكثير من فعالياته، فقد أكّد “غانم” أن النشاط المدني تراجع تلقائياً على وقع صوت السلاح وأصبح غير قادر على التأثير رغم محاولة بعض التجمعات المدنية استعادة زمام المبادرة وإصدار بيانات لرفض العنف والدعوة للتهدئة، معتبراً أن الكثير من الناس فقدوا الأمل بعد المجازر وبدأ التراجع الكبير في النشاط السياسي.
من جانب آخر، يلفت “غانم” لاستمرار غياب قانون للأحزاب، وما يترتب على ذلك من غياب آليات المشاركة في العمل السياسي، ما أدى لغياب المساحات المتاحة إن رغب أي شخص في المشاركة في الشأن العام سواءً في “طرطوس” أو غيرها من المحافظات السورية.
يذكر أنه تم تسريب قرار عن حلّ “إدارة الشؤون السياسية” التابعة لوزارة الخارجية، إلا أن هذا الأمر لم يغير من الواقع في شيء مع استمرار حالة من العطالة في النشاط المدني والسياسي وتحول الفضاء العام إلى توزيع مساعدات وعمل خيري فقط في معظم الأحيان.
أنجزت هذه المادة ضمن زمالة سناك سوري 2026.
وزارة السياحة تطلب عدم إقامة فعاليات سياسية دون موافقة مسبقة







