طبيبة في القامشلي تستخدم فن الماندالا كوسيلة لمواجهة الضغط والتوتر
أطفال يتعلّمون رسم الماندالا .. يساعد على التركيز ويمنحهم حرية التعبير

داخل عيادة لطب الأسنان في القامشلي، لا تقتصر أدوات الطبيبة “يارا سردار محمد” على أدواتها الطبية، فإلى جانبها أقلام وفرجار ومنقلة وأوراق سوداء، تتحول بين يديها إلى مساحة للرسم والتأمل.
سناك سوري _ دعاء عبد الله
منذ طفولتها، ارتبطت يارا بالرسم، إلا أن دراستها للطب وافتتاحها عيادتها الخاصة لم يبعداها عن هوايتها، بل وجدت في “الماندالا” مساحة تجمع بين حبها للرسم والأشكال الهندسية، وتمنحها في الوقت ذاته فرصة للابتعاد عن ضغوط العمل والحياة اليومية.
و”الماندالا” كلمة سنسكريتية تعني الدائرة، وتشير إلى نوع محدد من الرسم ينطلق من نقطة مركزية ويتوسع عبر الدوائر والأشكال الهندسية التي تمنح عمقاً وهدوءاً نفسياً كما يقول رواد هذا الفن.
تقول “يارا سردار محمد” الطبيبة التي لم تتجاوز 27 عاماً أن انجذابها إلى الماندالا بدأ من حبها للخطوط والدوائر والتعرجات، قبل أن تطور أسلوبها الخاص في الرسم، واختارت اللون الأبيض لرسم تفاصيل لوحاتها على خلفية سوداء، خلافاً لما هو شائع في الكثير من الأعمال التشكيلية.
وتحتاج بعض لوحاتها إلى ساعات من التركيز والعمل المتواصل، إذ تنشغل بالتفاصيل الدقيقة وتكرار الأشكال الهندسية حتى تتشكل اللوحة بصورة متناسقة وتصف “يارا” هذه اللحظات بأنها مساحة تنفصل فيها عن محيطها وتدخل في حالة من التركيز والهدوء.
وتوضح في حديثها لـ سناك سوري أن “الماندالا” لا تحتاج إلى أدوات كثيرة، إذ تعتمد في رسمها على الفرجار وأقلام الحبر وقلم الرصاص والمنقلة، إضافة إلى التخطيط الهندسي، ومع مرور الوقت أصبحت قادرة على رسم الكثير من الأشكال اعتماداً على خبرتها وممارستها.
لكن ممارسة هذا الفن في المنطقة تواجه صعوبات تتعلق بتأمين مستلزماته، وخاصة الأقلام والورق المستخدم في الرسم، وتضطر الطبيبة إلى شراء بعض المواد من دمشق أو طلبها عبر الإنترنت، نظراً إلى محدودية توفر الأدوات المتخصصة في المكتبات المحلية.

من الفن إلى مساحة للراحة
لا تقتصر أهمية الماندالا بالنسبة إلى ممارسيها على الجانب الفني، إذ ارتبط هذا الفن تاريخياً بالدوائر والأشكال الهندسية المتكررة، واستخدم في ثقافات آسيوية لأغراض رمزية وروحية.
القامشلي: فريق تطوعي يضيء حارة بالفوانيس ويبدد جمود جدرانها بالرسم
وفي السنوات الأخيرة، أصبح رسم وتلوين “الماندالا” حاضراً ضمن ممارسات مرتبطة بالفن والاسترخاء، لما يتطلبه من تركيز وانتباه للتفاصيل وتكمن أهميته النفسية في أنه يتيح للفرد الابتعاد لفترة عن المشتتات اليومية والانشغال بعملية إبداعية هادئة.
وتجد “يارا” في هذا الجانب سبباً إضافياً لارتباطها بالماندالا، إذ تقول إن الرسم يساعدها على تخفيف الضغوط، ويجعلها أكثر تركيزاً وهدوءً، خاصة عندما تنشغل برسم التفاصيل الدقيقة والمتكررة.
ولا يعني ذلك أن الماندالا بديل عن العلاج النفسي المتخصص، لكنها يمكن أن تكون نشاطاً فنياً مساعداً على الاسترخاء والتعبير عن المشاعر، ضمن ممارسات العناية بالصحة النفسية.
الماندالا للأطفال بوابة للتعبير
لم تتوقف “يارا” عند رسم الماندالا، بل اتجهت إلى تعليم هذا الفن للأطفال، انطلاقاً من إيمانها بأن الطفل يستطيع من خلال الرسم أن يجد وسيلة بسيطة للتعبير عن أفكاره ومشاعره.
وتقوم فكرة تعليم الأطفال على تعريفهم بالأشكال الهندسية والخطوط والتكرار، ثم ترك مساحة لهم لاختيار الأشكال والألوان وطريقة تنفيذ اللوحة ولا تكمن أهمية التجربة في الوصول إلى لوحة فنية مثالية، بقدر ما تكمن في منح الطفل فرصة للتركيز والعمل بهدوء والتعبير عن نفسه.
وتعلّم “يارا” الأطفال على التلوين فقط حالياً كون الأشكال الهندسية معقدة لأعمارهم، وتقول «أعلمهم التناظر وأترك لهم خيار الألوان وتعبئة الفراغات، ولكن هذا الفن لا يعتمد على التلوين بل يجب أن ترسم اللوحة كاملة».
وتساعد طبيعة الماندالا القائمة على الخطوط المتكررة والأشكال المتداخلة الطفل على الانتباه للتفاصيل، كما يمكن أن تكون وسيلة ترفيهية وإبداعية تساعده على الابتعاد مؤقتاً عن التوتر والمشتتات.

وترى يارا أن تعليم الأطفال هذا الفن يمكن أن يفتح أمامهم مجالاً لاكتشاف قدراتهم الفنية، خاصة أنها لا تفرض طريقة واحدة للرسم، بل تمنح الطفل حرية اختيار الألوان والأشكال والتفاصيل التي يريد إضافتها إلى لوحته.
الطفلة “روسيم ملاك 12 عاماً” تقول لـ سناك سوري إن رسم الماندالا يساعدها على تخفيف الضغط وزيادة التركيز، رغم صعوبة تنفيذ تفاصيله الدقيقة. وتوضح: «الرسم صعب، لكنه يخلينا نركز، وهذا الشي عم يساعدنا نركز بالدراسة، وبس أكبر بدي أستمر بالرسم».

أما “بتول عيسى رمضان”، ذات العشر سنوات فتقول عن تجربة تعلّم الماندالا أنها ممتعة رغم صعوبتها، لأنها تعلّم الصبر، وتقدّم الكثير من المتعة خلال التعلّم.
وتسعى يارا من خلال تعليم الأطفال إلى نشر هذا الفن في المنطقة، وتعريف الأطفال به كوسيلة تجمع بين المتعة والإبداع والتركيز، إلى جانب إقامة ورشات تساعد الراغبين على تعلم أساسياته.
فيما تأمل أن تتحول تجربتها الفردية إلى مساحة أوسع يتعرف من خلالها الناس، وخاصة الأطفال، على هذا الفن، وأن يجد الماندالا مكاناً بين الفنون التي تمارس في المنطقة.
وبينما تبدأ يارا يومها داخل عيادة الأسنان بمعالجة المرضى، تنهي جزءاً من وقتها أمام ورقة سوداء وقلم أبيض، ترسم دائرة تتبعها أخرى، وخطاً يقود إلى خطوط أخرى، حتى تتحول التفاصيل الصغيرة إلى لوحة كاملة؛ تجربة ترى فيها أن الفن لا يحتاج دائماً إلى مساحة كبيرة، بل ربما يكفي أن يجد الإنسان وقتاً ومساحة صغيرة يبتعد فيها عن ضجيج الحياة.








