كيف نزلت عشتار من مدارج الألوهة إلى قفص الاتهام؟

ماذا تعني استعادة السوريين لعشتار أو استعادة عشتار للسوريين؟

سناك سوري – حسان يونس

نستطيع أن نقول أن التاريخ هو مسرح للصراع والتفاعل بين الذكورة والأنوثة، وأن التاريخ انتقل ما بين سيادة الإلهة الأم قبل اكتشاف الزراعة إلى الثالوث المقدس الذي تشارك فيه الإلهة الأنثى (اينانا السومرية، عشتار الأكادية والارامية ، اشتر وت الكنعانية ، إيزيس المصرية، أفروديت اليونانية، فينوس عند الرومان ، وتانيت في المغرب العربي، العزى عند العرب) إلى الإله الواحد الذكر الذي لا شريك له، ومع هذا الانتقال نزلت عشتار من مدارج الألوهة لتقف خلف قفص الاتهام بأنها (الزانية العظيمة الجالسة على المياه الكثيرة).
عشتار هي إلهة الجنس والحب والجمال، وهي البتول، وهي البغي المقدسة، وربة الحكمة، و سيدة الحرب والتضحية عند البابليين، وهي نجمة الصباح والمساء، تعددت رموزها مثل: الشعلة الأبدية، والنجمة السداسية، والنجمة الخماسية، والوردة، وكانت البطلة المعلنة أو المتخفية في معظم الأساطير القديمة ،تغنّى بحبها الشعراء وتفنن بتصويرها الفنانون بالرسم والنحت والموسيقا ولا يزالون .
ولا نضيف جديداً إذا قلنا إنه خلال آلاف السنين من تداول السلطة بين السومريين، والأكاديين، والبابليين والأشوريين، ونشوء الإمبراطوريات العسكرية ذات النزعة المركزية، خلال ذلك ضمرت رمزية عشتار كإلهة خصب وحب وجمال لصالح رمزيتها كإلهة حرب تحمل قوساً وتقف على لبوتين، فوصفها الملك المشرع حمورابي في قوانينه “بسيدة المعارك والقتال”، وتكرس هذا التحول مع ظهور عبادة يهوى الذي انتزع من عشتار خصوبتها وجمالها واحتفظ لنفسه بعنفها وسطوتها لتنتقل عشتار على يديه من إلهة الخصب والجمال إلى عورة تقف خلف قضبان الاتهام الدائم بالدنس، وللأسف الشديد نجح أتباع يهوى في حقن الديانات اللاحقة (المسيحية ، الإسلام ) بنظرتهم العنصرية إلى عشتار بدرجات متفاوتة، ورغم ذلك لا تزال البشرية إلى الآن تحتفي بحضور عشتار وقدسيتها في أعياد الربيع والأعراس التي تمثل آخر ما تبقى من احتفاليات الجنس المقدس .
قبل عدة قرون بزغ عصر الأنوار في أوروبا وأعلن موت الإله الذكر الواحد، ومن ثم تمت إعادة إحيائه برموز مختلفة ألغت الأحادية تماماً، عندئذ أمسك الأوروبيون طرف الخيط الذي حاكته عشتار قبل عدة آلاف من الزمن في حضارات الهلال الخصيب، فعادت لتمارس دورها في الخصب والبعث والانبات في الحضارة المعاصرة .

اقرأ أيضاً: ‏المرأة في التاريخ السوري نافذة حضارة – حسان يونس

جرى اختزال عشتار في (اليهودية ، المسيحية ، الاسلام ) والأدبيات المتفرعة عنها باعتبارها إلهة الجنس والإغراء والبغي المقدس، وهو ما يمثل تسطيحاً واجتزاءاً للمعاني التي ترمز إليها، فالجنس هو طاقة هدامة كما هو طاقة خلاقة حسب نظام التعامل معه، والأهم من ذلك أن الجنس وفق العقيدة العشتارتية هو ممر إجباري للخصب والتكاثر والسيطرة وبالتالي للاستمرار، ومن ثم الخلود، وهو ما بحث عنه جلجامش (حبيب عشتار الذي لم يستجب لحبها) في ملحمته، إذاً فالعقيدة العشتارتية تقدس النشوة والخصب والإبداع والخلق المتفرّع عنها وليس الجنس، وإن اعتناق عقيدة الخصب ليس إلا تعبيراً رمزياً عن اعتناق التنوع الخلاق الذي يولّد الخصب، وما يعنيه ذلك من قبول الآخر، واحترام الرأي الآخر، والنظام الخلّاق القائم على التعددية، ورفض الاحتكار سواء في الثقافة أو الدين أو السياسة أو الاقتصاد، فالخصب لا يكون مع الأحادية مطلقاً، وهو ما اختزله السوريون القدامى قبل ستة آلاف عام في العبارة الأوغاريتية الشهيرة “لا تحتقر إلها لا تعبده “.
لذا فعشتار هي نقيض يهوى إله الأحادية المكرسة بقوة العنف والطغيان، وإذا أردنا إسقاط ما تقدم على واقعنا المعاش فان الصراع مع يهوى وأتباعه ليس على الأرض بل على الأفكار، وأول لبنة في هذا الصراع هي أن ننسحب من عبادة يهوى المكرسة في أحاديتنا السياسية والاجتماعية والثقافية كأفراد وكمجتمع وكمؤسسات .
إن استعادة السوريين لعشتار أو استعادة عشتار للسوريين تعني رفض الإلغاء، وأستطيع أن اجزم أن محنة السنوات الماضية التي اجتازها السوريون هي بوابة عشتار، هي المدخل إلى استعادة عشتار بما تعنيه من قبول التنوع ورفض الأحادية وما ينتجه ذلك من تلاقح وخصب.

اقرأ أيضاً: والنجمة إذا هوت – حسان يونس

المقالات المنشورة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الموقع