
حين كانت “رهف” تدخل إلى غرفتها قبل عدة سنوات، لا تشعر بأنها دخلت إلى مكانها الخاص، الغرفة نفسها تنام فيها شقيقتها، وتضع والدتها فيها أكياس الثياب الصيفية، فيما يدخل إخوتها بلا استئذان بحثاً عن شاحن هاتف أو منشفة أو حتى فقط لأن الباب كان مفتوحاً.
سناك سوري-خاص
تقول السيدة البالغة من العمر42 عاماً لـ”سناك سوري”: «كان عندي غرفة، بس مو إلي كانت مكان للنوم وتخزين الأغراض واستقبال الضيوف أحياناً حتى لما بدي أبكي أو أحكي بالتلفون لازم انطر الكل ينام».
تروي الشابة التي تمتلك شقيقة وشقيقان ذكران، كيف أن غرف المنزل كانت موزعة غرفة لها ولشقيقتها وأخرى لشقيقيها، لكن مع مرور الوقت والوصول إلى بداية مرحلة الشباب بدأ الخلاف بين شقيقيها والمشاكل، التي أدت في النهاية لاتخاذ قرار بسقف البرندة وتحويلها إلى غرفة خاصة للفصل بينهما، وحين سألت والديها عن السبب ولماذا لا تحصل على غرفة مشابهة أخبرها بأن “الذكور غير الإناث لا يستطيعون الاتفاق دائماً ويحتاجون إلى خصوصية أكثر”.
لم تقتنع الشابة لكنها بالتأكيد لم تكن تملك أي خيار آخر سوى أن تمضي حياتها رفقة أختها داخل غرفة واحدة، على أمل أن تصل للخصوصية بعد الزواج لكن هذا لم يحدث.
نساء بلا خصوصية.. حين تتحول الحياة مع عائلة الزوج إلى سجن منزلي
بعد الزواج تشاركت الغرفة مع زوجها، وحتى في أوقات الخصام والمشاكل ومحاولة النوم في غرفة أخرى، لم يكن يُسمح لها، تقول: “لم أعرف معنى الخصوصية، حتى حين كنت أريد أن أبكي”.
ولا تبدو مسألة غياب الخصوصية مرتبطة فقط بضيق المنازل أو الظروف الاقتصادية، بل أيضاً بكيفية توزيع المساحات داخلها، ففي كثير من الحالات، تمنح الغرف المنفصلة للذكور بحجة حاجتهم للاستقلال أو تجنب الخلافات، بينما ينظر إلى الفتيات على أنهن أكثر “قدرة على التحمّل”، ما يجعل فكرة امتلاكهن لمساحة خاصة أمراً ثانوياً ومع مرور الوقت، تتحول هذه القناعة إلى قاعدة غير مكتوبة، تبدأ من بيت الأهل وتستمر بعد الزواج، حيث لا تكون للمرأة غرفة تخصها بقدر ما تكون جزءاً من مساحة مشتركة يديرها الآخرون.
“ميس”، وهي أم لطفلين، كانت أوفر حظاً حصلت على غرفتها الخاصة حين كانت عازبة، كونها شقيقة وحيدة لـ3 أشقاء ذكور، لكنها منذ زواجها قبل 4 أعوام لم تعد تعرف كيف تبدو فكرة “المكان الخاص”.
«أنا آخر وحدة بتنام وأول وحدة بتفيق، المطبخ مو إلي، وغرفة النوم مو إلي، وحتى الحمام إذا طولت فيه دقيقة بيدقوا عالباب»، تقول ضاحكة، قبل أن تضيف: «أحياناً ورغم التعب بطلع بمشي شوي بس لحس حالي إني لحالي شوي».
ولا يقتصر غياب المساحة الخاصة على الجانب المادي فقط، إذ ينعكس أيضاً على الحالة النفسية، فبالنسبة لكثير من النساء، لا يتعلق الأمر بجدران أو باب يغلق، بل بلحظة صمت أو مساحة آمنة يمكن البقاء فيها دون مراقبة أو مقاطعة ومع غياب هذه المساحة، يصبح التعب اليومي مضاعفاً، وتتحول أبسط الحاجات مثل البكاء أو إجراء مكالمة خاصة إلى أمر مؤجل أو مستحيل.
تناولت دراسة أجنبية نشرت في 2022 العلاقة بين ضغوط الوالدية والرضا الزوجي لدى الأمهات، مسلطة الضوء على دور “الميل للوحدة” كمنظم يخفف من الآثار السلبية لضغوط التربية، خلصت النتائج إلى أن الأمهات اللواتي يمارسن “الوحدة الاختيارية” يواجهن احتراقاً نفسياً أقل، ويتمتعن بصحة زوجية أفضل، نظراً لفاعلية هذا الوقت في إعادة شحن الموارد النفسية وتقليل “الفيضان العاطفي”.
ورغم أن مشكلة غياب الخصوصية والاستقلال لدى النساء ليست جديدة بالكامل، إلا أن الأزمة المعيشية التي يعيشها السوريون اليوم، حيث يقع أكثر من 90 بالمئة من السكان تحت خط الفقر، ساهمت في تعميقها بشكل واضح، فمع ارتفاع الإيجارات وتراجع القدرة على الاستقلال السكني، باتت عائلات أكثر تعيش في مساحات أصغر أو مشتركة، ما جعل الخصوصية، خصوصاً للنساء، أمراً يصعب تحقيقه.
وبين ضيق المساحات وثقل الأدوار اليومية، تبدو الخصوصية بالنسبة لكثير من النساء في سوريا مطلباً مؤجلاً أكثر منه حقاً بديهياً، يبدأ من غرفة في بيت العائلة، ولا ينتهي بالضرورة عند باب بيت الزوجية.


