6 أيار يعيد الجدل حول إلغاء عيد الشهداء .. كيف يتحوّل المناضلون لمتآمرين بقرار رسمي؟
إعادة تعريف الانتماء ومعركة على الهوية السورية .. تجدد الانتقادات لقرار إلغاء عيد الشهداء
مع حلول يوم السادس من أيار يعود الجدل إلى قرار الحكومة السورية الذي صدر العام الماضي وألغت بموجبه اعتبار “عيد الشهداء” عطلة رسمية في البلاد.
سناك سوري _ دمشق
وكتب رئيس حركة البناء الوطني “أنس جودة” أن إلغاء المناسبة ليس مجرد قرار إداري بل إلغاء لفكرة مركزية وإعادة كتابتها، والفكرة التي تعاد كتابتها اليوم هي فكرة الانتماء نفسها، من يحق له أن يكون جزءاً مِن “نحن”.
واعتبر “جودة” أن عيد الشهداء لم يكن مجرد ذكرى لإعدامات 1916 بل لحظة تأسيس لفكرة جامعة أن هناك مجتمعاً سياسياً واحداً، يتساوى أفراده في الحق بالانتماء ومن يضحي من أجله يكرّم بصفته جزءاً من الكل، مشيراً إلى أن ما يجري اليوم ليس مجرد إلغاءً لهذه الفكرة بقرار مباشر، بل تفكيكها وتحطيمها من الداخل، إذ لم تعد الشهادة مفهوماً جامعاً بل تحولت إلى معيار فرز على أساس الانتماء، يمكن فهمه من خلال مَن يُحتفى به ومن يهمّش ومن يدرج في الذاكرة الرسمية ومن يُدفع خارجها.
أنباء عن تعديل في بعض العطل الرسمية.. إضافة عيد الثورة وحذف عيد الشهداء!
فيما اعتبرت الباحثة السورية “سالي عبيد” أن قرار إلغاء العطلة في عيد الشهداء كان الفصل الأول من معركة أعمق على هوية سوريا والمنطقة، تستهدف الذاكرة الوطنية، وهي معركة بين مشروع حضاري يؤمن بالوعي والدولة والتعددية والحرية، وبين مشاريع تقوم على التبعية العقائدية أو السلطوية أو الإقليمية، وتعتبر الإنسان الحر خطراً يجب تدجينه أو إسكات صوته.
وأشارت “عبيد” إلى أن السلطات العثمانية حينها لم تعدِم قادة عسكريين بقدر إعدام صحفيين ومثقفين ومحامين وشعراء وأطباء، مضيفةً أن شهداء السادس من أيار كانوا من أوائل من دفع ثمن مقاومة أعداء الحضارة في هذا الشرق وفق حديثها.
الناشط “رامي فيتالي” كتب بدوره، أن اليوم ذكرى الشهداء الذين قضوا حياتهم في سبيل بناء وحماية الوطن لننعم نحن به وعسانا نقتدي بهم.
وختم “فيتالي” بالقول أن من يريد نكران الجميل والتضحيات فهو من سيلفظه التاريخ بدون احترام.
من جهته، رأى البرلماني السوري السابق “محمد حبش” أن يوم الشهداء هو اليوم الذي تقدّم فيه أحرار الشام وأبرارها يطلبون الحرية في مواجهة طاغية لا يرحم فنصب لهم مشانق الموت عام 1916.
ووجّه “حبش” تحيته لـ”شهداء 6 أيار” مرتين وفق حديثه، الأولى لفدائهم وبسالتهم وجهادهم، والثانية ضد الإنكار الذي واجهتهم به ثقافة غريبة قالت لا مكان لهم بين الشهداء لأنهم ناضلوا من أجل قوميتهم وأوطانهم وليس من أجل أديانهم، وكأن الجهاد في سبيل الله محض كفاح يبذل فيه الإنسان الروح من أجل خدمة الرب، والله غني عن العالمي، على حد قول “حبش”.
جدل حول منهاج التاريخ السوري .. كيف تحوّل شهداء أيار إلى عملاء ومتآمرين مع الغرب؟
إعادة تشكيل الذاكرة الجمعية
لم يمرّ قرار إلغاء العطلة الرسمية وإحياء “عيد الشهداء” في السادس من أيار كل عام، دون أن يشعل موجة واسعة من الجدل العام الماضي، وبدا أنها تتجدد اليوم مع حلول الذكرى، حيث أبدى ناشطون مخاوف ممّا اعتبروه إعادة تشكيل للذاكرة الوطنية الجمعية، بناءً على توجهات السلطة الجديدة وتحالفاتها، في إشارة إلى أن إلغاء الاحتفال بالعيد كان بمثابة محاباة لـ”تركيا”.
من جانب آخر، فإن الاحتفال السنوي بذكرى الشهداء كان جزءاً من الرواية الوطنية لتاريخ البلاد الحديث، وتوثيقاً لنضالات السوريين من أجل الاستقلال، والثمن الذي دفعته النخبة السورية في سبيل تحقيق الاستقلال عن الدولة العثمانية ونيل الحرية في بلدهم، ما يجعل إنكار هذه التضحيات محاولة لطمس التاريخ وإعادة بناء سرديات جديدة لا تتوافق مع الحقائق بقدر توافقها مع توجهات الحكم الجديد، لا سيما أن الأمر لم يتوقف عند إلغاء العطلة فحسب بل ذهب إلى اعتبار “شهداء أيار” مجموعة من المتآمرين وإدراج هذه الفكرة في مناهج التاريخ وتعليمها للأجيال.
ما هو أصل عيد الشهداء؟
كان عيد الشهداء يصادف 6 أيار، وهو ذكرى المجزرة التي ارتكبها الوالي العثماني “أحمد جمال باشا” الملقب بـ”السفاح” بحق 21 مناضلاً تمّ إعدامهم فجر 6 أيار 1916 .
كانت المحكمة العرفية التي أقامها “أحمد جمال باشا” في “عالية” قد أصدرت أحكامها الجاهزة على المتهمين دون أن تستمتع لدفاعهم أو تحقق أدنى شروط المحاكمة العادلة فيما فشلت مساعي “الشريف حسين بن علي” للتوسط لدى الصدر الأعظم، و لم تثمر لقاءات الأمير “فيصل بن الحسين” الثلاثة مع الوالي العثماني عن أي مراجعة لأحكام الإعدام !
أطلقت السلطات العثمانية يد “السفاح” في البلاد السورية و أصدرت قوانين تسمح لقادة الجيش بتنفيذ أحكام الإعدام بشكل عاجل دون العودة إلى السلطات المركزية في “إسطنبول” ، و حين فشل “أحمد جمال” في الحملتين العسكريتين على “مصر” لاحتلالها وانتزاعها من الإنكليز فيما يعرف محلياً بحرب “سفر برلك ” حمّلَ العرب مسؤولية الهزيمة .
وجّه “السفاح” تهمة العمالة لمجموعة واسعة من المثقفين و السياسيين العرب واتهمهم بالعمل على الانفصال عن الدولة العثمانية ، فيما تشير بعض المصادر التاريخية أن “السفاح” نفسه كان يمتلك نوايا لفصل “سوريا” عن الدولة العثمانية و تنصيب نفسه حاكماً عليها فكان يعمل على توطيد حكمه بقمع كل نشاطات الزعماء الوطنيين والمثقفين العرب و لم يكن لرجال العلم و الفكر الذين اتهمهم “السفاح” أي نشاطات عسكرية بل كانت دعواتهم سلمية تتسلح بالعلم والثقافة والنشاط السياسي السلمي.
تم نقل 7 من المناضلين السوريين إلى ساحة “المرجة” بـ”دمشق” و 14 آخرين إلى ساحة “البرج” بـ”بيروت” و كانت مشانق “السفاح” تنتظرهم وتحول اسم الساحتان إلى ساحة “الشهداء” تخليداً لذكرى الحادثة .
كان “السفاح” قد أعدم 11 مناضلاً من دعاة الإصلاح في “بيروت” قبلها بنحو عام في 21 آب 1915 في مقدمة للمجزرة التي سيرتكبها لاحقاً .
و صبيحة 6 أيار استفاق أهالي الشام على الفاجعة التي فقدوا فيها خيرة المثقفين والوطنيين و الأحرار العرب الذين واجهوا مصيرهم ببسالة و لم يتراجعوا عن انتمائهم للبلاد والدفاع عن هويتها أمام الوالي القادم من “جمعية الاتحاد و الترقي” التي بدأت بفرض سياسة التتريك و اضطهاد العرب في بلادهم،
شكّل إعدام المناضلين العرب في 6 أيار سبباً رئيسياً لقيام الثورة العربية ضد العثمانيين في حزيران من العام نفسه و أشعلت شرارة إعدامهم نار الغضب في نفوس السوريين و العرب ضد الاحتلال العثماني .






