وضعت وزارة الداخلية قيوداً على التظاهر في سوريا بأول إجراء رسمي مقنّن يهدد حرية التعبير ويربط حق التظاهر والاعتصام في الشوارع بموافقة السلطة التنفيذية.
سناك سوري – بلال سليطين
بدأت السلطات السورية تباعاً سلسلة إجراءات يبدو بعضها تنظيمياً، لكنها في السياق السوري وبالمقارنات مع تجارب الدول الأخرى تثير مخاوف من إعادة تقييد حرية التعبير وإخضاعها لموافقة السلطة التنفيذية.
أصدرت وزارة الداخلية بالأمس بلاغاً يحدد آليات التظاهر وربطته بالإعلان الدستوري والقوانين الناظمة في سوريا، إلا أن البلاغ من حيث طبيعته بمثابة قانون للتظاهر يحل محل القانون الذي أقره نظام الأسد عام 2011 ويجري تعديلات عليه مع الحفاظ على معظم مواده، وبالتالي هو قانون من صلاحيات مجلس الشعب أو الجهات التشريعية وليس وزارة الداخلية.
كما أن الإعلان الدستوري في المادة 23 التي استند لها بالبلاغ واضح لناحية النص أن الحقوق والحريات تمارَس وفقاً للقانون وليس لقرارات وزاراة الداخلية. ما يطرح تساؤلات جدية حول سلامة هذا الإجراء من الناحية القانونية.
لكن المشكلة الأساسية لا تكمن في مبدأ التنظيم، بل في آلية “الموافقة والمنع”. فبعد أكثر من 60 عامًا من تقييد الحريات عبر نظام الترخيص، ومع سقوط هذا القيد بسقوط نظام الأسد، يحتاج السوريون للقطيعة المطلقة مع المنهجية التي تجعل الحق مرهونًا بالموافقة لا بالإخطار والتنظيم.
الفرق بين التنظيم والتقييم في حق التظاهر
التنظيم يعني أن تضع السلطات محددات واضحة ومكتوبة ومرجعية للجميع مفادها على سبيل المثال: التظاهر يجب أن يكون في مكان محدد وساعة محددة حتى تتولى وزارة الداخلية حماية التظاهرة. ويجب أن تلتزم التظاهرة بالقوانين الناظمة لناحية الشعارات..إلخ. وأن يخطر المنظمون الوحدة الإدارية الأقرب لهم “محافظة، بلدية، بلدة..إلخ” قبل 72 أو 48 ساعة بموعد التظاهرة وتاريخها وخط سيرها إن وجد حتى يكون لدى السلطات علم وتتحمل مسؤولياتها في حماية حرية التعبير.
وعندما يخالف المتظاهرون القوانين يحاسبون على مخالفاتهم بالقانون ويحولون للقضاء ويتحملون مسؤولية المخالفة.
أما التقييد فيعني تحويل هذا الحق إلى طلب ترخيص يخضع للقبول أو الرفض، وهو ما يفتح الباب على مصراعية أمام المزاجية الإدارية ومصالح السلطة التنفيذية. فقد يُرفض الطلب بحجة المكان، ثم الموعد، أو بذريعة “الظروف الأمنية”، حتى يفقِد التظاهر معناه أو توقيته.
منهج التنظيم .. ومنهجية الضبط والتقييد
لا شك أن عملية التنظيم في التظاهر أو تأسيس الجمعيات أو وسائل الإعلام هي عملية ضرورية ومهمة لكل الأطراف فتنظيم التظاهر يحمي حرية التعبير ويضع السلطات أمام مسؤوليتها في تأمين وحماية المتظاهرين، كما أن تنظيم الجمعيات يساعد في عملية التواصل والتدقيق المالي وكذلك الحال لدى وسائل الإعلام يساعد في الحماية.
لكن منهج التنظيم يعني العلم والخبر أن تُخطِر السلطات وتخبرها أنك ستتظاهر، أو أنك ستطلق جميعة وهذا عنوانها وفريقها المعني، أو أنك ستطلق وسيلة إعلام وفلان/ة صاحبها وهذا رئيس/ة تحريرها وهذه أرقام التواصل معها، وتنتهي عملية التنظيم عند هذا الحد، لكن عندما يتعبها موافقة وترخيص وقبول أو رفض فهذا يعني ضبط وتقييد وهو مالا يجب أن يكون في سوريا الحرة.







