تسعيرة القمح… سيادة سوريا تبدأ من حقوق فلاحيها
بين سعر القمح والأمن الغذائي.. ماهي سياسة الحكومة؟!
ثار الفلاحون السوريون غضباً على تسعيرة القمح التي حددتها الحكومة السورية والتي لا تكفي تكاليف الإنتاج، وبعد موجة الغضب العارمة ستغير الحكومة التسعيرة استيعاباً للاحتياج وليس قناعةً بأولوية الزراعة.
سناك سوري _ بلال سليطين
تحديد سعر القمح كمحصول استراتيجي مرتبط بالأمن الغذائي في سوريا هو قرار سيادي لا يصدر عن وزير بعينه وإن كان يوقع عليه وزير الاقتصاد، وإنما عملية إقرار السعر تأتي من توجهات الحكومة، فإذا كان التوجه الحكومي نحو دعم الفلاح والزراعة في البلاد، تقر الحكومة حزمة سعرية مجزية ومحفزة للفلاح، وإن كانت غير مهتمة بالزراعة فإنها تقر حزمة سعرية منخفضة.
في العراق يحدَّد سعر القمح على أساس دعم الفلاح وتشجيع الأمن الغذائي، لذلك تخصص الحكومة سعراً مرتفعاً يصل إلى أكثر من 600 دولار للطن الواحد، وكذلك الحال في الأردن وفي دول عديدة ضمن سياستها تشجيع الزراعة ودعم الفلاحين وحماية الأمن الغذائي.
السعر الذي حددته سوريا لهذا العام يعادل حوالي 335 دولار وهو بالنسبة للحكومة متقارب جداً مع تكاليف الاستيراد، فسعر الطن العالمي حالياً يتراوح بين 239 و 284 دولار يضاف لها تكاليف النقل التي تقدّر بحوالي 60 دولار للطن الواحد.
بينما السعر الذي حددته في العام الماضي وصل إلى 455 دولار للطن الواحد متضمنة المكافأة التشجيعية والتي تعد جزءاً من السعر لكنها جاءت على شكل منحة من رئاسة الجمهورية لكنها بالمحصلة تمثل الكتلة السعرية التي تلتزم بها الدولة تجاه الفلاح ومحصوله. وقد جاءت المكافأة التشجيعية آنذاك أيضاً بعد احتجاج الفلاحين ونتيجة وجود منافسة في عملية الشراء بين الحكومة السورية والإدارة الذاتية التي لم تعد منافساً هذا العام.
لكن ظروف هذا العام مختلفة تماماً بالنسبة للحكومة التي اتضحت وترسخت سياستها القائمة على التحرير السعري والتوجه نحو التنافس السعري حتى ولو كان بين الوطني والمستورد.
استيعاب غضب الفلاحين بالتشجيع.. هل يعالج المشكلة؟
بعد يوم من احتجاجات الفلاحين في سوريا وخصوصاً بمناطق زراعة القمح كالرقة، نقلت بعض وسائل الإعلام خبراً عن نية الحكومة معالجة الانخفاض السعري عبر مكافأة تشجيعية ستتحمل الحكومة تكلفتها، وربطت المكافأة برئاسة الجمهورية.
وإقرار المكافأة التشجيعية إذا ما تم بهذا الشكل هو قرار سياسي مرتبط بالاحتجاجات وبصورة الرئاسة أكثر مما هو مرتبط بدعم الفلاحين والأمن الغذائي، فقرار الدعم هو فعل استراتيجي مرتبط بسياسات مستدامة وليس بردود فعل آنية.
أين وزارة الزراعة؟!
أزمة سعر القمح تأتي بعد تعديل حكومي شمل وزارة الزراعة وقد حمل الوزير السابق مسؤولية تدهور الزراعة، لكن الواقع كان يشير إلى تدني أهمية الزراعة بالنسبة للحكومة وهامشيتها ولم تكن المشكلة إدارية، بدليل القرار الحكومي بتحديد سعر القمح بهذا الشكل الذي لا ينصف الفلاح.
كما أن الوزير الجديد وهو شخصية قوية في الدولة وتعد من أوساط اتخاذ القرار لم ينجح في تحصيل تسعيرة منصفة للفلاح من الحكومة ولم يعلّق حتى على هذا القرار وينحاز للفلاحين بشكل علني، وهذا ناجم عن النظرة للزراعة والسياسة والاستراتيجية الحكومية تجاهها.
وعلى مستوى النقابات فإن رد فعل اتحاد الفلاحين المركزي في سوريا خجولة جداً ولا ترتقي لدور النقابات في قيادة الاحتجاجات، وقد اقتصرت على تصريحات صحفية محدودة تطالب بإعادة النظر بالتسعيرة، وهذا يعكس مشكلة تمثيلية أخرى للفلاحين وضعف الجهات التي تدافع عنهم ما يؤدي لاتخاذهم الشارع كأداة للتعبير والمواجهة.
حتى عملية التفاوض بين المحتجين والحكومة تمّت عن طريق عضو مكتب تنفيذي في دير الزور يمثل السلطة التنفيذية ولم تأتي عن طريق الاتحاد المعني بحماية حقوق الفلاحين والدفاع عنها.
استراتيجية دعم الفلاح.. وغياب الحكومة
أزمة سعر القمح تعود لعوامل عديدة، فإذا قبلنا رواية البعض في أنه قرار لوزير الاقتصاد وليس قراراً للحكومة فإن هذا يعكس أزمة تنسيق حكومية خطيرة جداً.
وإن كانت أزمة التنسيق الحكومية موجودة وملحوظة كما أشرنا في مقالات سابقة حول غياب التواصل الحكومي، فهذه الحكومة لم تجتمع سوى 3 مرات منذ تشكيلها، وبعد التعديل الحكومي لم يجتمع الوزراء الجدد ضمن الحكومة ولا مرة ولم يؤدوا اليمين القانونية بصورة علنية، لكنهم باشروا مهامهم حالهم حال المحافظين.
لكن القرارات في الحكومة لا تُتخذ بشكل مستقل، وإنما تعبّر عن توجهات واستراتيجيات تم وضعها تحت إشراف القيادة وإن كانت غير معلنة ومنشورة بشفافية لكن يمكن قراءتها من المجريات والمعطيات التي تشير إلى ما خلصنا له سابقاً بأن الزراعة هامشية وليست أولوية للحكومة السورية مقارنة بالاستثمار في الرفاهية والاستهلاك.
بينما علاج مشكلة ارتفاع تكلفة إنتاج القمح السوري يتطلب أن تتحول الزراعة لأولوية حكومية وأن يكون دعم الزراعة أولوية للحكومة التي ترفض كل أشكال الدعم حتى الآن وتتبرأ منها.
والدعم الاستراتيجي هو الطريق الوحيد لتخفيض تكاليف الإنتاج من حراثة وبذار وسماد ورش مبيدات حشرية وصولاً للري والحصاد، إذا تقدر هذه المصاريف بأكثر من 400 دولار للطن الواحد وأحياناً تصل إلى 500 دولار. وفي حال لم يأتي هذا الدعم الاستراتيجي ستتكرر هذه المشكلة كل عام إلى أن نصل لمرحلة يعزف فيها الفلاح عن زراعة القمح ويتجه لمحاصيل أخرى أكثر فاعلية بالنسبة له.








