إراقة دم المدنية السورية بسيف البداوة- حسان يونس

فيثاغورس

السطو على الإرث الحضاري السوري… وقطع صلات السوريين مع تاريخهم المدني

سناك سوري – حسان يونس

إن أسوأ ما يمكن أن يتعرض له الإنسان كفرد أو كمجتمع هو الاستلاب وفقدان الثقة بالذات، ومن المعروف أن تاريخ البشرية الاجتماعي حافل بالتقنيات التي تعتمدها جماعات للسيطرة على جماعات أخرى، من خلال تدمير ثقة الإنسان بذاته وقهره من الداخل وإعادة برمجته، بحيث يفقد جذوره وإدراكه لانتماءاته، وبحيث تصبح نظم حياته التربوية والاجتماعية والدينية شريكاً في عملية التدمير وإعادة البرمجة.

ومن أجل وضع هذه الفكرة في سياق تاريخي أكثر وضوحاً، نذهب إلى ما ذكره الأستاذ “عبد الله حجار” في كتابه “أصدقائي علماء الآثار” من أن عالم الآثار البلجيكي “أندريه فينيه”، وخلال محاضرة قدّمها في الرقة عام 1964 عرض نسخة من لوحين مسماريين من متحف بغداد يحملان النظريتين المنسوبيتن لـ فيثاغورس وتالس مع برهانهما، تم اكتشافهما في تلي الحرمل والضباع الأثريين في العراق، ويعودان إلى الألف الثاني قبل الميلاد فيما عاش العالمان الإغريقيان في القرن الخامس (مع العلم أن تالس من أصل فينيقي، ومع العلم أن فيثاغورس تتلمذ في بابل)، وفي اتجاه مشابه نشر موقع (الأصول القديمة ancient origins) مقالاً للكاتبة “اليسيا ماكديرمت” حول لوحة أثرية بابلية موجودة في مكتبة (الكتب والوثائق النادرة) في جامعة كولومبيا في نيويورك تمثل أقدم جداول لعلم المثلثات في العالم وأكثرها دقة.

خلال أجيال طويلة، دأبت النظم التربوية في بلادنا وخارجها، على التأكيد أن فيثاغورس وتالس اكتشفا النظريات المنسوبة لهما، دون أي مراجعة لذلك، رغم أن العالم “أندريه فينيه” ذكر في ستينات القرن الماضي عدم صحة ذلك، وإذا كان المؤرخون المستشرقون يملكون من الجرأة الأدبية ما يكفي لنسب هذه العلوم زورا إلى الإغريق، فالأجدر بنا أن نملك الجرأة للقول أن هذه النظريات من بنات إقليمنا، وأن نرسّخ ذلك في مناهجنا على الأقل، خاصة أن قولنا مبني على العلم الآثاري الرصين، في مقابل الادعاء الاستشراقي، مع ما يحمله ذلك من نظرة جديدة تجاه التاريخ والجغرافية وحمولتها الحضارية المبعثرة هنا وهناك.

اقرأ أيضاً: الديمقراطية التي ارتكبها أجدادنا ونجحوا فيها – حسان يونس

إن هذه السرقة الحضارية تمثل جزءاً بسيطا من منظومة هائلة من السطو تعرض له الإرث الحضاري في إقليمنا، بحيث أن (دماء هذا الإرث تبعثرت بين القبائل)، وبحيث أصبح صعباً تتّبع السارق أو القاتل الحضاري، ومن باب تتّبع السارق الحضاري لا بأس أن نذكر أن مناهجنا التربوية تتشبّع بالقصائد المقتطفة من الشعر الجاهلي العربي والتي تؤرّخ لعادات قبائل الجزيرة العربية في الترحال والبكاء على الأطلال والظعن والثأر والتغني بالخيل والليل والسيف.

وبعيداً عن التشنج والعنصرية والنظرة المسبقة، فإن البداوة هي نمط حياة عاشته أمم وشعوب كثيرة في بيئات مختلفة، لكن سورية أكثر ما يميّزها أنها مهد التمدّن، ذلك أن سبعة من أصل أقدم عشرة مدن في العالم تقع في سورية التاريخية (دمشق وحلب وأريحا وجبيل وصيدا وغازي عنتاب وبيروت)، والمدنية هي الأخرى نمط حياة مختلف عن البداوة، ولاحق لها في سلم التطور، وتفترض أنماط معيشة وأخلاقيات مختلفة، تميل إلى الاستقرار والتسوية والتعدد والتعايش بعيداً عن الثأر والارتحال.

لذا فالسؤال المطروح بقوة: هل من الحكمة تغليب التاريخ البدوي في الجزيرة العربية (بكل بكائياته على الأطلال وتغنّيه بالسيف والثأر وحروب الجمل وداحس والغبراء والبسوس) على التاريخ المدني في سورية التاريخية؟!، هل من الحكمة إراقة دم المدنية بسيف البداوة؟!، ألا يمثّل ذلك تدميراً للذاكرة الجمعية للسوريين وقطع صلاتهم بالمدنية السورية العريقة لصالح بداوة متخيلة لم تعرفها سورية إلا في بعض أطرافها؟!.

اقرأ أيضاً: سوريا وتاريخ من الغزو باسم الله – حسان يونس

هل من الحكمة إغفال شعر “ملياغر” الذي عاش في صور قبل الميلاد وكان صاحب نزعة عالمية داعية للسلام مساوية بين البشر إذ يقول: «صور الجزيرة غذتني .. أنا ملياغر بن اوقراطس نشأت مع عرائس الشعر وكانت أولى خطواتي برفقة إلاهة الحب …فيا أيها الغريب هل من عجب إذا ما كنت سوريّا؟! إننا نسكن وطنا واحدا هو العالم .. خواء واحد أنجب جميع الأحياء الفانين».

هل من الحكمة إغفال هذا الشعر وإراقة دمه لصالح معلقة “عمر بن كلثوم” التي تتغنى بالثأر وإشعال الحروب القبلية من اجل نزاع بين امرأتين :

أبا هند فلا تعجل علينا…. وأنظرنا نخبرك اليقينا

بأنا نورد الرايات بيضا …. ونصدرّهن حمرا قد روينا

إن هذا السطو على الإرث الحضاري السوري يمثّل مسخ مبرمج لشخصية الإنسان المتلقي لهذا التاريخ المزيف، وهو سطو يستحق أن يعاد النظر به، خاصة إذا كنا شركاء فيه من خلال مناهج تربوية، إما أن القائمين عليها فاقدي البصيرة، أو أنهم يبصرون ويريدون شراً بهذه البلاد وانتماءات أجيالها.

اقرأ أيضاً: لمن لا يعلم.. حجارة “الأموي” تكتنز إرث السوريين العلماني!

المقالات المنشورة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الموقع