أنا ابن الآنسة…. الجملة التي أساءت لمدارسنا وخلفت أثراً عميقاً في نفوس بعض الطلبة

ابن الآنسة.. ابن المسؤول… إلخ… التمييز في المدارس السورية وآثاره على المميز وغير المميز

سناك سوري – غرام عزيز

“أمي ليش ماصرتي معلمة؟ كنت صرتي آنسة بالمدرسة و علمتيني وكانوا حطوني العريف” سؤال غريب يتوجه به الطفل “سلمان” إلى والدته التي لم تتمكن من الإجابة بعدما رأته في عيني طفلها من شعور بالغبن والحزن والغيرة.

شعور الغبن قابله حديث مليء بالفرح سردته لنا “زينب” ابنة إحدى المدرسات وهي اليوم خريجة معهد موسيقى مستذكرة أيام الدراسة وكيف كانت على الدوام تجلس في المقعد الأول بالصف وتستلم “منصب” العريف وتلقى الاهتمام والعناية من المعلمات زميلات والدتها والمساعدة في الاختبارات.

مزيج مشاعر الغبن والفرح التي تحدث عنها الطالبان “سلمان” و”زينب” يؤثر بشكل سلبي على الطلاب حسب رأي المرشدة النفسية “ربا حنا” التي رأت خلال حديثها مع سناك سوري أن هذا الأمر يحدث بشكل كبير في المدارس ويؤثر سلباً على الطفل من ناحية الدراسة ويؤدي لتراجعه في صفه إضافة لحدوث مشاكل بين الطلاب قد تتطور إلى مرحلة العدوانية نتيجة الغيرة، لكنها بالمقابل يمكن أن تشكل نوعاً من التحفيز لهم للتفوق مع الإشارة إلى أن الأغلبية تتحول لديهم إلى العدائية التي قد تتطور للعداء والخلافات حتى بين الأهل، إلا أنها تبقى ظاهرة سلبية وفيها ظلم.

اقرأ أيضاً: المشاريع الطلابية بين توفر البيئة المناسبة والإمكانيات

وتضيف:«يمكن أن يصبح لدى الطفل شعور بعدم القيمة وعدم التقدير للذات وتؤدي به إلى الفشل»، مشيرة إلى أنه في حال وجود تمييز من الضروري أن يكون هناك جلسات نقاش مع الأطفال الذين يحسون بالتمييز والعمل على منحهم المزيد من الثقة بذاتهم وإعادة ثقتهم بنفسهم وقدرتهم على تحقيق التفوق والتميز بالرغم من كل المؤثرات مهما كان نوعها وحتى جلسات مماثلة مع المدرسين والكادر التدريسي والإدارة والأهل أيضا، منعاً لتدهور الحالة وانعكاساتها، ناهيك عن ضرورة معالجة جذر المشكلة المتمثل بالتمييز.

“ربا” تنصح الأمهات المعلمات بالتوقف عن هذا السلوك لأنه يؤثر على أبنائهم، كما أنها تؤكد أن نتائج المراحل الدراسية المبكرة ليست مقياساً لمستوى الطلاب العلمي حيث أن نتائج التميز تظهر في مرحلة الشهادات العامة.

التمييز لا يقتصر على “ابن الآنسة”

التمييز له أوجه عديدة، منها تمييز الأغنياء عن الفقراء مثلاً، أبناء المسؤولين عن أبناء غير المسؤولين، أبناء جيران المدرسة، أبناء المجتمع المحلي عن الوافدين مثلاً، وهي حالات جميعها مسجلة في مدارسنا، وقد رصدناها في 20 مدرسة من أصل 20 مدرسة أجرينا استطلاعات رأي ضمنها في 4 محافظات.

“فاتنة” وهي أم لطفلين نازحيين من الريف إلى المدينة بسب ظروف الحرب، تقول إن المدرِّسة لا تسمح لابنتها بالصعود إلى السبورة أو الإجابة على الأسئلة التي تطرح في الصف بالرغم من محاولاتها المتكررة للحصول على فرصة مماثلة لرفيقاتها، وترجع ذلك إلى أن ابنتها من الريف بينما باقي أبناء الصف جميعهم من سكان المدينة.

هذه الحادثة دفعت الأم للوقوف مع البنت ضد الآنسة مما زاد الوضع سوءاً ولم تصل الأم وابنتها لنتيجة، تعلق “ربا” على هذا الحادثة بالقول إنه كان من الضروري أن تدخل الإدارة والمرشدة النفسية من جهة لمنع التمييز، ومن جهة أخرى يجب أن يتم العمل مع الطفلة في المنزل وتقويتها وتعليمها ألا تكون ضعيفة .

حالات أخرى عديدة من عدم التقبل في المدارس فرضتها الحرب حيث هجر مئات الأطفال من مناطق تقليدية إلى مناطق آخرى كونها آمنة لكنهم اصطدموا بصعوبة التأقلم نتيجة لاختلاف البيئة والثقافة والعادات والتقاليد وحتى اللهجة مايؤثر على نفسية الطلاب الوافدين والمستضيفين معاً.

اقرأ أيضاً: في حادثة نادرة :مدّرسة ترفض إجازة طبية حرصاً على طلابها وتعطي الدروس بيد مكسورة

نسب التمييز قد لا تكون مرتفعة في المدارس السورية، وأحياناً يكون المميز في المدرسة كلها 3 أو 4 طلبة، لكن هذه بحد ذاتها مشكلة ويجب التعاطي معها، والبحث عن حلول لها، ووضع مدونة سلوك للمدرسين حول كيفية التعامل مع التلاميذ والمساواة بينهم، وهذا الرأي هو خلاصة آراء عدد كبير من الأهالي والمدرسين الذين استطلعنا آرائهم حول الموضوع.

“سراب” وهي مرشدة نفسية (لا تستطيع ذكر لقبها لأن التربية تشترط حصولها على موافقة قبل الإدلاء بأي تصريح صحفي) تقول إنه من الضروري جداً معاملة الطلبة بسواسية، ودعت لاتخاذ بعض الإجراءات التي تساهم في منع التمييز مثل تبديل العرفاء وتوزيع التلاميذ والطلبة على المقاعد بشكل دوري.

كما تدعو “سراب” لإقامة أنشطة يتم فيها دمج الطلبة مع بعضهم البعض، بحيث يشترك فيها الجميع تحت إشراف مسؤولي الأنشطة والإرشاد النفسي لنشر ثقافة المحبة والتعاون بين الطلبة وتكريس المساواة ومنع وجود أي حاجز، إلى جانب العمل على المدرسين.

اقرأ أيضاً: بالفيديو ضرب الطلاب في مديرية تربية “حلب”

مجموعة من النصائح قدمتها المرشدة الاجتماعية للأهالي سواء المدرسين أو المسؤولين (من يظنون أنهم مميزين) بضرورة تربية أبنائهم على المحبة بشكل عام وخاصة محبة الزميل في الصف وتنمية روح المنافسة الشريفة إذا كانوا يريدون مصلحتهم فعلاً، مشيرة إلى أنه في حال وجود شكوى من أي طالب لابد من عقد جلسات إرشاد جماعي للأهل والمعلمين معاً وتوضيح الآثار السلبية للتمييز وتوجيه جمعي من خلال أنشطة أو مسرحيات أو تمثيل للأدوار وبعدها الحلول تأتي من قبل الطلبة.

وترى “سراب” أن أي تمييز لطالب على اعتبار أنه ابن آنسة أو مسؤول أو أي شيء من هذا القبيل هو أذية له مستقبلاً وأذية لغيره، مشيرة إلى أن أغلب حالات التمييز في مرحلة معينة قد تقدم الطالب في هذه المرحلة على أنه مميز لكن في مرحلة لاحقة سينكشف أن هذا التمييز ليس إلا وهماً وسينعكس الأمر على شخصيته.

مشكلة التمييز التي تنتشر في المدارس لا يلحظها أي قانون أو تعميم صادر عن وزارة التربية السورية ونؤكد أنها ظاهرة منتشرة بالرغم من محاولات إخفائها ونكران تواجدها وهي تتطلب إجراءاً معيناً يحد منها ويخفف من حساسية الطلاب تجاهها بالشكل الذي لايؤثر على أي طرف من أطراف العملية التعليمية فكلنا بشر وندرك حق المعلمة كأم في منحها اهتماماً خاصاً لطفلها لكننا في الوقت ذاته نؤكد أن واجبها المهني والأخلاقي يستوجب منها عدم إبراز هذا الاهتمام أمام الطلاب الآخرين.

اقرأ أيضاً: طلاب مهددون بالابتعاد عن مقاعد الدراسة بسبب توقف الدعم

المقالات المنشورة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الموقع