كيف يظهر العنف الأسري وكيف ننهيه – ناجي سعيد

ناجي سعيد

اللاعنف يُبنى على أساس متين وأصيل، فلا يُنبت العنف الأسري

سناك سوري- ناجي سعيد

كثيرةٌ هي الأمثلة التي يُمكننا الإستدلال من خلالها على كمّية العنف الأسري في مجتمعنا، بدءًا من زيارة أقارب أو جيران، ونتفاجأ بالهدوء الذي ينتهجه طفلهم أمام الضيوف!! التي تنقلب صورة الهدوء إلى حقيقة عفويّة وبراءة الطفل حين يسمح له أهله بالحصول على قطعة حلوى من “الضيافة” المُقدّمة للزوّار، ثمّ يرتفع صوت الأُمّ أو الأبّ حين يتناول الطفل قطعتين : “بسّ وحدة يا إبني..”وقد لا يعلم الأهل الذين يتباهوا بتربيتهم لأبنائهم أمام الآخرين، بأنّ هناك مستويات ومجالات أخرى تتدخّل في صنع سلوكهم تجاه أطفالهم، ليظهر “عنفًا أُسريّا”.

فالفقر الذي يوّلد حرمانًا يؤدّي إلى نقص في تلبية الحاجات الأساسيّة من الغذاء، فمن الطبيعي أن المُغريات المعروضة في مُجمل الوسائل الإعلانية على الطرقات ووسائل الإعلام على التلفاز تفتح شهيّة الإنسان ليتذوّق المعروضات بحجّة تجربة الجديد منه، ونادرًا ما نجد عائلة ملتزمة بالغذاء الأساسي الصحّي الذي يضمن سلوك لاعنفي للطفل.

اقرأ أيضاً: التربية وبناء السلام_ ناجي سعيد

ومن تجربتي في تربية ابنتي ذات التسعة عشر ربيعًا، لقد نظّمنا لها تناول الحلويات والسكاكر (المُشترى). فقد كانت والدتها تشتري لها أسبوعيًّا أثناء التسوّق الشوكولا والسكاكر والحلوى، وتضع لها في الحقيبة مع السندويش اليومي كي لا تشتري من المدرسة ما يحلو لها ومتى يحلو لها. ويسأل أحدهم ما علاقة هذه الأشياء بالعنف  الأسري؟ تربويًّا، وعندما لا يُنظّم الأهل المصروف اليومي لأبنائهم، يخلقوا مساحة من الفوضى وقلّة التنظيم فيما كان يقصد الأهل تعويده على قيمة الإستقلالية والإتكّال على النفس. ومن جهته يفهم الطفل هذه الحريّة التي تفيده في صنع القرار والإتّكال على النفس لاحقًا، يفهمها إستقلالاً عن أهله فيجدّ مرجعيّته الضالّة في صداقة أقرانه التي غالبًا ما تكون “صُحبة سوء”. ومن أهمّ الأسس التي تحمي أطفالنا وتُبعد الأهالي عن العنف الأُسري، هي :” الأمان”. فابنتي “هُما” كما يقول عنها الأقارب: “عقّولة وشطّور وصوتها ما بيطلع اسمالله عليه..: ولكن ليس هذا وراثة كما يعتقدون!. فالأب والأم طباعهم عصبيّة وحتى لو كظموا غضبهم وتحكّموا بردود فعلهم مرارًا. أن هدوء ابنتي هو نتيجة لقواعد تربوية اعتمدناها لنضمن الأمان لها وكان ذلك من خلال:

اقرأ أيضاً: في اليوم العالمي للّاعنف..إنه نمط عيش _ ناجي سعيد

– إتّفقنا أن لا نتجادل بصوت مرتفع أمامها، فدماغ الطفل يستطيع تخزين كل شيء. وقد تظهر النتائج حين يستطيع التعبير .

– اتّفقنا على أن نكون مرجعيّة واحدة لابنتنا، فحين تتطلب من والدتها شيئًا وتقول الأم “لا”، تستغلّ (ككل الأطفال) غيابي عن المنزل أثناء نهار العمل، وتحاول ابتزازي عاطفيًّا، فتتطلب مني، فأسالها فورًا: وماذا كان جواب الماما؟  فتُجيب بخجل: قالت لا. إذا لا فأنا أوافق ماما على تنظيم هذه الشؤون. وبالطبع حين تبدأ بالبكاء لتمارس ضغطًا على أعصابنا، كنت أقول لها: نحنُ لسنا منزعجين من بكائك. فتشعر بتعطيلنا لهذا السلاح العاطفي الذي ينخر.. الأعصاب.

إن هذه الحادثة، وببساطة ليست سهلة بالطبع، فليست العائلة مجرّد عقد قران وإقامة الأفراح والليالي الملاح ومن ثم إنجاب أطفال دون تخطيط، وغالبًا ما يُسمع الأهل أسطوانة تُدمّر بناء شخصيّة طفلهم بقولهم: ما كان بدنا نجيبك.. جبناك بالغلط!! إن لوم الذات هذا عند الأهل هو لوم ودمار لبناء شخصية الطفل، فينتج عنها سلوك عنيف عند الطفل وبدورهم الأهل يعالجون عنفه بعنفهم الأقوى، وتستمرّ حلقة العنف، ولا تنكسر إلاّ إذا اعترف الأهل بأنهم مخطئون وبدأوا بتصحيح هذا الخطأ، وأوّل خطوة بالتصحيح، تبدأ بالعلاج النفسي، فهناك متخصّصين الآن في العلاج الأسري والعنف المنزلي.

ولكن قبل كل هذا علينا الإعتراف بأننا كأفراد نحتاج لعلاج نفسي، فكلّنا ضحايا صدمات متراكمة من حروب عشناها ومشاكل مجتمعيّة كثيرة صادفناها. وسأختم بما قاله أحد الأشخاص ذوي الخبرة في سرد الحكايا الشعبية (حكّاء) من فلسطين: ” حاول مزارع في مقتبل العمل أن يزرع شجرة رمّان في أرضه. فلم تنمُ.. وحاول مرارًا وتكرارًا فلم يفلح بذلك. إلى أن نصحه جاره المزارع العجوز الخبير، فقال له: إن أساس هذه الأرض لزراعة الحامض، إزرع شجرة حامض أوّلاً، وحين تنمو، إقطعها واترك جذورها في الأرض، ثمّ إزرع ما يحلو لك. ففعل وكانت النتيجة مذهلة له. الخلاصة أن اللاعنف يُبنى على أساس متين وأصيل، فلا يُنبت العنف الأسري.

اقرأ أيضاً:  اللاعنف.. والعدّ للعشرة- ناجي سعيد

المقالات المنشورة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الموقع