اللجنة الدستورية.. الدائرة المغلقة – مازن بلال

“الهيئة التأسيسية” لسورية ما بعد الحرب

سناك سوري – مازن بلال

تتوقف اللجنة الدستورية عند مفارقة يمكن أن تصبح سابقة في التاريخ السوري المعاصر، فهي ستثبّت الأزمة عند نقطة التوازن الدولي الحالية، وتطرح شكل البيئة السياسية الممكنة التي لا تقوم بالضرورة على الشرعية الاجتماعية، بل على القوى الأكثر تأثيراً التي احتكرت مفاصل الأزمة، فما هو موجود في جنيف “خريطة” القوة التي تتقاسمها مجموعات غير قادرة على تشكيل كتل صلبة، وهي أيضا تستمد وجودها من الأزمة بكل ما تراكم خلالها من نفوذ إقليمي أو دولي.
هذه الصورة القاتمة تملك وجها آخر لأنها كل ما بقي من المساحات التي استهلكتها الحرب، فهي ليست الحل أو بدايته حسب تعبير الدبلوماسية الروسية، لكنها تشكل اعترافا متبادلا بطيف متباين وظيفته الأساسية تسهيل التفاهمات الدولية بالدرجة الأولى، ففي اللحظة التي يجتمع فيها هذا الطيف تصبح البنية السياسية السورية قادرة على التشكل، وعلى ملء فراغ خاص لبيئة بقيت متروكة للفعل العنيف طوال السنوات الماضية.
عملياً فإن النظرة إلى اللجنة الدستورية وقبولها أو رفضها لا يظهر من شرعية التمثيل الذي تقدمه، فهي ستكتسب هذه الشرعية لأنها تتفاوض على عقد اجتماعي جديد، وحتى لو عدلت الدستور فقط فإنها ستصبح “الهيئة التأسيسية” لسورية ما بعد الحرب، ولاحقا ستبدو نموذجاً للألوان السياسية المرتقبة مع بداية العهد الدستوري، وهذا الأمر لا يرتبط بالزمن الذي يمكن أن تستهلكه هذه اللجنة لإنتاج دستور جديد، لأنها بصورتها الحالية تطرح النموذج القادم ليس بالتمثيل القائم إنما بالمجموعات الثلاث القائمة، فالجهد الدولي الذي استطاع منذ عمليات التفاوض الأولى في جنيف وضع طرفين للأزمة، وهامش من الأطراف التي كانت نوعاً من التدريب على الحياة السياسية القادمة (المجتمع المدني والنساء)؛ يقوم اليوم بتحديد مساحة البنية السياسية بأطراف ثلاث يمكن أن تملك طيفاً ضمنها، لكن كل كتلة لديها مركزيتها التي ستظهر تدريجياً مع استمرار عمل اللجنة.
ما يمكن قراءته اليوم يقتصر على “الطرف المعارض” و “المجتمع المدني”، فكتلة الحكومة تملك المركزية والطيف الخاص بها، وربما لا تحتاج لكثير من التحليل فتحالفاتها الداخلية واضحة، ونفاذها باتجاه الدولة يمتلك قوة لا يمكن تفكيكها بآلية دستورية، فالمركزية هنا “ثقافة” تستند إلى واقع لا علاقة له بمرحلة سياسية محددة بل أيضا بمزاج اجتماعي سائد منذ الاستقلال، بينما تبدو مجموعة المعارضة بنية مركبة وفق “جهاز سياسي” يتم دفعه عبر سلسلة التفاوض وصولا للجنة الدستورية لينتقل باتجاه الواقع الاجتماعي، فالطيف الذي تملكه المعارضة معوي بالدرجة الأولى لأنه يستمد قوته من التواجد خارج سورية، وحتى حزب الإرادة الشعبية المرخص فإن “رمزه” الأساسي خارج سورية، بينما الحلقة الأضعف هنا هي مجموعة “حسن عبد العظيم” (هيئة التنسيق الوطني) التي لا يشكل تواجدها في سورية أي فارق، لأنها ضمن التكوين العام تحولت لجهاز سياسي يتم الحفاظ عليه داخلياً لتثبيت التوزع العادل للمعارضة ما بين الداخل والخارج.
هل يمكن لمجموعة المعارضة أن تمتلك عبر عمل اللجنة الدستورية مركزية تضبط إيقاع طيفها؟ إن مثل هذا السؤال ليس مهما الآن لأن انعكاس هذه المجموعة لن يظهر إلا بعد إقرار الدستور الجديد، بينما ستبقى كتلة المجتمع المدني مساحة حرية للكتلتين السابقتين، فهي منطقة عبور بين الأطراف، وهي أيضا جبهة التواصل لبناء تحالفات، فهي “حالة سائلة” (دون إرادة سياسية) تتيح للطرفين إمكانية التنقل وتبديل التحالفات وصولاً إلى التنسيق لإنتاج “ائتلاف وطني”.
المفارقة تبقى في اللجنة الدستورية في أنها تمثيل للتوازن وليس الشرعية، وهذا التوازن ليس حالة داخلية وإلا لاكتسب شرعيته سريعاً، والمفارقة أيضاً في تثبيت حدود البيئة السياسية ضمن تلك الأطراف الموجودة في جنيف، فاللجنة الدستورية هي إطلالة سريعة على ما يحمله المستقبل من مساحة سياسية للسوريين.

اقرأ أيضاً المجتمع المدني في اللجنة الدستورية وضرورة ردم الهوة بين الأفرقاء – أنس جودة

المقالات المنشورة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الموقع