الـ2019.. العام الذي اعتزل فيه الصحفيون العمل “بكل جُبن وخوف”!

إلى الـ2020 حيث نأمل أن نكتب في نهايته عن اعتقال تجار الأزمة وأثرياء الحرب والفاسدين.. إن الله عطانا عمر و”حرية”!

سناك سوري-رحاب تامر

إن كان الإمبراطور الفرنسي “نابليون بونابرت” في عز قوته قد قال: «أخشى 3 جرائد أكثر من خشيتي لمائة ألف حربة»، نستطيع بطريقة ما تبرير خوف المسؤولين من الصحافة والصحفيين، والحرص على تكبيلهم وكم أفواههم وإرهابهم بالاعتقال و”قانون الجريمة الإلكترونية”.

2019، وبكل موضوعية لم يشهد حالات اعتقال كثيرة لصحفيين كما العام 2018، لكنه شهد مرحلة أكثر خطورة أعلن فيها 3 صحفيين اعتزالهم العمل الصحفي، واتخذت جريدة الأيام قرارا بالتوقف، إذ يبدو أن الحكومة التي فشلت في ضبط الأسواق ومنح المواطن الحد الأدنى من الحياة اللائقة، تفوقت هذه المرة وكمّت أفواه الصحفيين.

مضى شهر كانون الثاني وشباط بسلام على الصحفيين، لم يحملا أي حوادث اعتقال باستثناء استمرار اعتقال الزميل “وسام الطير” مدير شبكة أخبار “دمشق الآن” السابق، والذي ماتزال حادثة اعتقاله ترخي بظلالها على الصحفيين، كونه كان مقرباً جداً من الحكومة السورية وداعماً لها.

شهر آذار الماضي لم يشهد حادثة اعتقال إنما “ضرب”!، إذ أعلنت صحيفة “بقعة ضوء” عن تعرض صحفية من كوادرها للضربمن قبل مدير مكتب وزير المالية حيث كانت تتواجد في الوزارة لمتابعة ما سمته الصحيفة ملف فساد كبير، قبل أن تتقدم الصحفية بادعاء أمام الشرطة لترمي الكرة في ملعب القضاء كما ورد في منشور على صفحة الصحيفة على الفيسبوك بتاريخ 21 آذار الماضي.

المكتب الإعلامي في وزارة المالية قال في بيان له إن الصحفية هي من تهجمت على مكتب الوزير بغرض رؤيته، لكنه كان في مجلس الشعب، ما دفعها للصراخ والتهديد، بحسب البيان.

شهر نيسان كان وبالاً حقيقياً على كل صحفي سوري، إذ اعتقل مؤسس موقع “هاشتاغ سيريا” “محمد هرشو” على خلفية خبر نشره الموقع قال فيه إن هناك دراسة تقضي بإلغاء دعم البنزين خارج مخصصات البطاقة الذكية، وهو أمر كان رئيس الحكومة “عماد خميس” ذاته قد أكده قبل نحو أسبوع من نشر الخبر، أيضاً هو أمر تحقق لاحقاً وتبين أنه صحيح!.

أخلي سبيل “هرشو” بعد يوم واحد من الاعتقال، وبعد ساعتين من إصدار الموقع اعتذاراً من متابعيه في حال تم فهم الموضوع المتعلق بخبر رفع الدعم بشكل خاطئ، وهو اعتذار جاء في سياق غريب ومستغرب.

الوبال الحقيقي كان في أن نشر خبر صحيح، كلف قوله اعتقال صاحب وسيلة إعلامية، واعتذار منها، بما جعل المسؤول يشعر برد الاعتبار، وماذا عن الصحفي أو صاحب الوسيلة؟، لا بأس هو كأي مواطن سوري آخر لا اعتبار له أمام المسؤول!.

استدعاء الصحفي “بلال سليطين”

في شهر أيار من العام 2019 استدعى فرع جرائم المعلوماتية الزميل الصحفي “بلال سليطين”، وعلى مدى 3 أيام /6/7/8/ أيار راجع الزميل “سليطين” الفرع، ورغم مراجعته للفرع إلا أن الزميل أصر خلال التحقيقات أن قضايا الصحافة ليست من اختصاص الفرع وليست جرائم معلوماتية، وقد تبين في نهاية المطاف أن وزيراً كان يقف خلف الاستدعاء.
يقول “سليطين” في تعليق له على الاستدعاء، إنه يأتي ضمن سلسلة التضييق على الصحفيين واستعمال عصا جرائم المعلوماتية لتخويفهم من قبل بعض الجهات، وللأسف هناك جهات كان يجب أن تكون فاعلة في حماية الصحفيين هي من دفعت لتوقيف واستدعاء بعضهم، إن ماحصل عار كبير ويجب أن يتغير هذا الواقع، إلا أن تغييره يحتاج من الصحفيين أن يكونوا كتلة واحدة يناصرون بعضهم ويحمون حقوق بعضهم بكل الوسائل المتاحة، كما يحتاج من الحكومة السورية أن تعيد النظر بهذا الواقع وتمنع هذه التعديات وتعود إلى الدستور الذي كفل بوضوح حق التعبير والنقد وحرية الصحافة.
وختم “سليطين” عندما تكون الصحافة بخير فإنها ستساعد البلاد على التحسن وتغيير هذا الواقع السيء، وستساهم فعلياً لا بالشعارت بمكافحة الفساد، وتحصين المجتمع، وعملية التنمية، والإصلاح المنتظر في مؤسسات الدولة وعقلية القائمين عليها، وغير ذلك الكثير من الإسهامات، وحرية الصحافة واستقلاليتها حق وليس منة من أحد.

أيار.. شهر الاعتزال والانسحاب أمام سوط الاعتقال!

كشف الصحفي “رئيف السلامة” شهر أيار الفائت عن تعرضه لاعتقال دام شهراً كاملاً، أمضى 23 يوماً منها في نظارة الأمن السياسي بـ”دمشق”، و7 أيام في سجن “عدرا” قبل أن يتم إخلاء سبيله، بتهمة «الاشتباه بامتلاكي صفحة (فيسبوك) نشرت منشور مسيئ لوزير الصحة»، كما قال عبر صفحته في فيسبوك.

“السلامة” الذي يعمل لعدة جهات منها قناة “العالم-سوريا” والإعلام الحربي، والقيادة القطرية، وفرع الحزب في “حمص”، أعلن اعتزاله العمل الصحفي، وتحدث عن تهديدات طالته لا علاقة لها بفصائل المعارضة.

لم تكد تمضي أيام على اعتزال “السلامة” العمل الصحفي، حتى أعلن الصحفي ورئيس تحرير موقع هاشتاغ سيريا وصحيفة الأيام، الزميل “علي حسون” أنه سيهجر مهنة الصحافة لأجل غير مسمى وربما نهائي، وقال إنه اتخذ قراره بكامل “الجبن والخوف” الذي يسيطر حالياً على الصحفيين السوريين بعد تزايد حالات المضايقات و التوقيف و مقاضاتهم بتهم مختلفة لأنهم أزعجوا وزيراً هنا أو صاحب نفوذٍ هناك.

“حسون” وعبر منشور له في فيسبوك تحدث عن اعتزال “السلامة” التي سبقها الكثير من الحالات المشابهة في تعرّض الصحفيين للتوقيف والسجن مشيراً إلى أن الكثير أيضاً سيتعرضون لمواقف مماثلة لاحقاً، بعد ذلك بعدة أشهر غادر “علي حسون” البلاد وتابع عمله الصحفي خارجها، (ونيال مين قادر يحصل على فرصة مشابهة بعيدا عن الفقر والخوف من الاعتقال).

بعد اعتزال “السلامة” و”حسون”، اتخذ الصحفي “ياسر العمر” الذي شارك بتغطية معارك “حمص” لصالح وسائل إعلام مقربة من الحكومة، قراراً باعتزال العمل الإعلامي أسوة بزميليه، وقال إنه اتخذ قراره هذا بكامل قواه العقلية والجسدية، وأضاف عبر صفحته في فيسبوك حينها أنه تعرض للاعتقال 3 مرات ويُحاكم في 4 محاكم مختلفة بتهم عديدة بينها النيل من هيبة الدولة وشق الصف والنيل من الحرية الشخصية، والاشتباه الأمني!.

في الشهر ذاته قررت صحيفة الأيام السورية توديع قرائها، وكتب رئيس تحريرها المُعتزل “علي حسون” مقالة وداعية في عددها الأخير، تحت عنوان “الأيام.. استراحة محارب“، قال فيها إن المرحلة الحالية هي الأقسى في تاريخ الصحافة السورية بسبب تزايد التضييق على العمل الصحفي ولأن سلطة الخوف باتت تتحكم بأقلام الصحفيين.

بعد شهر الاعتزال والانسحاب، مرّ شهر حزيران تشارك فيه الصحفي والمسؤول استراحة محارب رغم اختلاف الاختلاجات النفسية، أحدهما مهزوم والآخر مُتخم الصدر حد الانفجار، لا اعتقالات سجلها هذا الشهر، قد مضى على خير نحو شهر آخر وجرح جديد.

ففي شهر تموز الفائت، أفادت مصادر مقربة من مراسل قناة العالم الإيرانية الإعلامي “ربيع كله وندي” عن اعتقاله على يد جهاز أمني في “حلب”، دون توضيح أسباب الاعتقال وكما جرت العادة لم يتسنَ لعائلته التواصل معه بعد اعتقاله ولم يتمكنوا من توكيل محامي له.

أمضى “كله وندي” شهراً كاملاً في المعتقل قبل أن يخلى سبيله، ولم تعرف أسباب اعتقاله ولا كيفية إخلاء سبيله!، (وسجلت القضية أمام الرأي العام ضد “مجهول”).

“آب”.. يوم عاد “وسام الطير” ولم تعد مهنته!

حمل شهر آب جرحاً من نوع آخر، لكل صحفي سوري يحمل أخلاقية المهنة، لقد أخلي سبيل مدير شبكة “دمشق الآن” سابقاً “وسام الطير” بعد 9 أشهر من الاعتقال دون معرفة الأسباب، لكن مهنته وسنوات عمله الصحفية بقيت مُعتقلة، لم يعلن اعتزاله، ولكنه غاب عن المشهد الإعلامي بشكل كامل، وليس من المفهوم بعد إن كان هذا خياره أم أنه أمر فُرض عليه.

وبينما كانت عائلة “الطير” سعيدة بعودته، كانت عائلة الصحفي “رئيف السلامة” تعاني مع اعتقاله للمرة الثانية بعد أشهر من اعتقاله الأول.

“السلامة” الذي كان قد أعلن اعتزاله شهر أيار الفائت، يبدو أن الشغف غلبه فعاد إلى مهنة المتاعب ليعتقله جهاز أمني على خلفية تغطيات صحفية قام بها لمعارك “ريف حماة الشمالي-إدلب” آنذاك، ليطلق سراحه بعد 13 يوماً.

أيلول، تشرين الأول، تشرين الثاني، كانون الأول، مرّت هذه الأشهر بسلام على الصحفيين السوريين، لا اعتقالات تذكر، كأنما هناك من أعاد ضبط إعدادات الحكومة بعيداً عن العمل الصحفي، بالتزامن مع التركيز على التجار ورجال الأعمال والمسؤولين، الذين برزت قرارات كثيرة للحجز على أموالهم المنقولة وغير المنقولة، ما يجعلنا نأمل بإعادة الصواب إلى هذا العالم المجنون.

مراجعات أمنية بسبب خلافات إدارية

بعض الصحفيين تعرضوا لمضايقات أمنية على خلفية عملهم في مؤسسات حكومية، حيث تروي صحفية كانت تعمل في وزارة الإعلام أنها راجعت فرع أمني في دمشق يقع على أطراف العاصمة بسبب خلافاتها مع إدارتها في الوزارة.
الصحفية التي لم تجرؤ على ذكر اسمها وتم التحقق من استدعائها عدة مرات، استنكرت استدعائها وعلاقة فرع الأمن بهذا الموضوع، مشيرة إلى أنها موظفة مدنية، وكان يمكن إقالتها بدل تدخل الأمن في الموضوع.

اقرأ أيضاً: الوزراء المغادرون والصحافة.. “شو بدي اتذكر منك يا سفرجل كل عضة بغصة”!

مناطق خارج سيطرة الحكومة.. لا مزاح بإزعاج “جبهة النصرة” والفصائل!

من الصعب الوصول إلى إحصائية دقيقة لعدد الصحفيين الذين يتعرضون للاعتقال أو الانتهاكات في مناطق سيطرة المعارضة، لكن وبحسب المتداول فإن الصحفيين هناك عانوا الأمرين خلال هذا العام ولم يكونوا بمنأى عن الانتهاكات.

ففي شهر آذار، اعتقلت شرطة “الباب” بريف “حلب” والتي تخضع لسيطرة الفصائل المدعومة من “تركيا”، مراسل قناة “حلب” اليوم المعارضة “مالك أبو عبيدة” والإعلامي “بدر طالب” خلال تغطيتهما مظاهرة خرج بها أهالي المدينة احتجاجا على قرارات المجلس المحلي حول إدخال الشاحنات التركية إلى المدينة على حساب الشاحنات السورية.

في الشهر ذاته، قال مراسل وكالة “فرانس برس” في “إدلب” “عمر حاج قدور” إن “هيئة تحرير الشام-جبهة النصرة” اعتدت عليه بالضرب ووجه عناصرها له الشتائم خلال قيامه بمهمة بريف “حلب” الجنوبي”، بتهمة التنسيق مع “فيلق الشام” لتغطية دخول الدوريات التركية.

وفي حزيران، اعتقلت “النصرة” الناشط الإعلامي “معن بكور”، من منزله في “أريحا” بريف “إدلب”، وصادرت معداته ودراجته النارية، دون توضيح الأسباب.
وإلى شهر تموز، الذي شهد اعتقال مراسل صحيفة “زمان الوصل” المعارضة “جمعة حج حمدو” على يد “النصرة” في ريف “حلب” الغربي” دون توضيح الأسباب.
كما اعتقلت “النصرة” في شهر أيلول الناشط الإعلامي “أحمد رحال” بعد مداهمة منزله في مدينة “إدلب” ورفع السلاح في وجهه ووجه زوجته، وصادرت كافة المعدات الإعلامية التي يمتلكها ثم اقتادته إلى جهة مجهولة، وذلك على خلفية نشره المقطع المصور الذي ظهر فيه القيادي في “النصرة” “أبو العبد أشداء” على “الإنترنت” والذي تضمّن هجوماً من “أشداء” ضد قيادة “النصرة” التي اتهمها بالفساد ونهب الأموال.
وكان لافتاً هذا العام قيام المخابرات التركية بشكل مباشر باعتقال الصحفي “جمعة موسى” الملقب بـ”الإعلامي المرح“، وذكر الناشط “نصر البستاني” آنذاك أن المخابرات التركية أقدمت على اعتقال “الإعلامي المرح” من مكتبه في مدينة “عفرين” ليتم سجنه في أحد المباني، ووجهت المخابرات التركية له تهمة التحريض ضد الأجهزة الأمنية، بعد انتقادات وجهها “موسى” للأجهزة الأمنية التابعة للفصائل المدعومة تركياً بسبب تكرر الانفجارات في المنطقة مؤخراً.

مناطق سيطرة قسد

لم تكن الأحوال أفضل في مناطق سيطرة “قوات سوريا الديمقراطية”، حيث اعتقلت قوات الأسايش مراسل قناة الإخبارية السورية “محمد توفيق الصغير” في “الحسكة”، دون إعلان الأسباب، لتعلن القناة بعد عدة أيام على اعتقاله أنه تم الحكم عليه بالسجن لمدة عامين.
كما اعتقلت قوات سوريا الديمقراطية مدير مكتب جريدة تشرين الزميل “خوصرو أسعد” لأيام قبل أن تطلق سراحه.

شهر حزيران شهد اعتقال الأسايش الصحفي “خالد الحسين” لأسباب مجهولة.

أما في شهر أيلول، فقد اعتقلت الأسايش الناشط الإعلامي “سعد عنزي” في بلدة “عين عيسى” شمال الرقة، بعد الاعتداء عليه بالضرب ووجهت له تهمة تصوير مواقع عسكرية لوحدات الحماية والتعامل مع “تركيا”.

توقيف خارج سوريا

وإلى ماليزيا حيث أوقفت السلطات الماليزية مطلع شهر كانون الأول الجاري الصحفي السوري “همبرفان كوسه” لدى وصوله إلى مطار “كوالالمبور” لأسباب غامضة.

“كوسه” الذي ينحدر من مدينة “القامشلي” يعمل كصحفي مستقل في عدد من وسائل الإعلام المحلية والإقليمية، وينشر مقالاته في عدة مواقع إلكترونية ومنصات معروفة بتوجهها المعارض للحكومة السورية.

وهكذا انتهى العام 2019، على وقع اعتقالات الصحفيين، على أمل أن نكتب العام القادم عن اعتقالات الفاسدين وتجار الأزمة وأثرياء الحرب، إن الله عطانا عمر و”حرية”!.

اقرأ أيضاً: الـ2018.. لقد كان عاماً مليئاً باعتقال الصحفيين!

المقالات المنشورة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الموقع