التنافس.. مساحة المجتمع – مازن بلال

صورة تعبيرية-انترنت

التنافس أساسي في أي عملية تنموية.. لكن الخطورة في تحوله إلى “لعبة استحواذ”

سناك سوري-مازن بلال

نعود مجدداً إلى لعبة الكراسي الموسيقية لقراءتها وفق “المنعكس التنموي”، فالتنافس الحركي الفردي إن صح التعبير يقدم عاملاً واحداً لتصورات التنافس الاجتماعي الذي تطرحه التنمية، فاللعبة بذاتها مهما بدت قاصرة عن تقديم شكل التنمية القائمة، لكنها على الأقل تطرح تصورا جوهريا.

فالتنافس القائم فيها لا يهدف فقط للتفوق وإثبات الذات، بل تحويل حالات التناقض بين مجموعة محددة إلى شكل تحكمه قواعد، وربما يكون هذا الأمر حالة عامة على كافة النشاطات الرياضية بوجه خاص، فإذا أردنا كسر الجانب المظلم لتشبيه التنمية بهذه اللعبة فربما علينا إعادة الاعتبار للتنافس وللقيم المرافقة له.

اقرأ أيضاً: التنمية.. لعبة الكراسي الموسيقية

عندما نستخدم التنافس فإننا نطرح سياقا كاملا وليس مجرد إبعاد الخصم، ونقدم أيضا تشاركا من نوع خاص يتم فيه الاستحواذ على “الكرسي” (كما في اللعبة) نتيجة تفوق نوعي على الخصم، ومع تكرار اللعبة فإن القيم المرافقة لها تجعل من التنافس مجالا أيضا لبناء ممكنات الأفراد من أجل الجولة القادمة، فعملية التنافس داخل التنمية ليست استحواذا بل تقديم ممكنات، وفي نفس الوقت هي استعراض لمساحة كاملة تحوي إصافة للمتنافسين جغرافية وهدف نهائي.

اقرأ أيضاً: منظور تنموي… الإصلاح الاقتصادي – مازن بلال

عمليا فإن كل الشرح السابق يبدو طبيعيا على المستوى النظري، ولكنه في مساحة العمل سيبدو أكثر تعقيدا مما نعتقد، فتطبيق لعبة الكراسي الموسيقية بشكل مباشر سيضعنا أمام التنافس بدون قواعد كما يحدث اليوم على الصعيدين التنموي والسياسي، وسيحول المجتمع إلى كتلة تتعصب لطرف دون آخر، ففي المساحة الاجتماعية يتحول العزف الموسيقي إلى حالة تعبئة باتجاه المتنافسين، بينما يحاول طرف واحد ضبط الإيقاع، وهذا الأمر لا يمكن إسقاطه على التجارب التنموية، فالتنافس الذي يعتبر محرضا للإبداع سيتحول إلى إبداع من نوع آخر يرتبط أساسا في تفشيل الطرف الآخر.

يتعلم المجتمع من التنمية تحويل التناقضات والصراعات إلى شكل تنافس يدفع الأفضل إلى الواجهة، وتغدو نتائج هذه العملية تطويراً لمصالح المجتمع وليس زيادة حدة الاستقطابات، فالتقنيات التنموية هي وسائل أساسية ولكن القاعدة التي تستند إليها هي العمق الخاص للعملية التنموية، ففي الشكل الظاهر فإن لعبة الكراسي الموسيقية تقدم نمذجة للتنافس داخل مجتمع لا يملك سياقا لهذا الأمر، والاستحواذ على الكرسي الأخير يصبح غاية بدلا من تحقيق أمرين: الأول هو امتاع الجمهور والامتاع هنا هو تمثيل لأحد مصالح المجتمع، والثاني هو تأسيس قواعد لتخفيف التناقضات عبر تحويلها إلى لعبة يشاركها فيها الجميع بطرق مختلفة.

بناء التنافس يبدو أساسيا في أي عملية تنموية، ولكنه إن لم يشكل سياقا فسيصبح فوضى مبادرات ومشاريع صغيرة وكبيرة، أو سيتحول إلى آلية نمو اقتصادي لا تمس ثقافة المجتمع بل رساميل المستثمرين وعندها يتحول إلى لعبة استحواذ تماما كنموذج الكراسي الموسيقية.

اقرأ أيضاً: الإعلام.. بناء الشغف – مازن بلال

المقالات المنشورة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الموقع