أخر الأخبارالرئيسيةرأي وتحليلسناك ساخن

تغول المسؤولين حتى على المساجد

التغول الوظيفي للمسؤولين في سوريا

نشهد في سوريا ظاهرة تراكمية يمكن وصفها بالتغول الوظيفي من قبل المسؤول الأعلى على المسؤول الأدنى، وعدم احترامه حتى في مكتبه ونزعه من كرسيه للجلوس عوضاً عنه، وهناك بعض المسؤولين الذي يتغولون أوسع من المؤسسات الحكومية للسيطرة على الفضاء العام والصعود إلى أي منبر متاح لمخاطبة الناس بما فيها منبر المسجد.

سناك سوري – بلال سليطين

هناك مشهد محفور في ذاكرة السوريين يتمثل بمسؤول يمشي متمختراً وخلفه عشرات المسؤولين الأدنى يسيرون خلفه وهو يتحدث بنبرة فوقية ويقول اعملوا هيك وهيك وهي ليش هيك، وأذكر أنني مرة في عام 2010 كنت صحفياً في بداياته وكان هناك جولة للمحافظ كُلفت بتغطيتها وخلالها قرر أن يقتحم مركزاً حكومياً يبيت فيه الموظفون، وعندما وصل إلى غرف المنامة فتح الأبواب دون أن يقرعها وراح يسأل الموظفين انت ليش نايم وانت ليش لابس هيك، وقد فعل هذا لشعوره بالفوقية والقدرة على فعل كل شيء دون احترام لحق الموظف في الخصوصية بغرفة راحته أو في استراحته من المناوبة، ولم يكن المحافظ حينها يعرف نظام العمل في المركز الذي قرر أن يجري عليه “كبسة”.

التغول الوظيفي هو انتقال السلطة من كونها وظيفة محددة الصلاحيات إلى ممارسة شخصية فوق القانون، حيث يتحول المنصب إلى أداة سيطرة رمزية ونفسية على الأدنى وظيفياً وعلى الفضاء العام.

وربما يذكر الكثيرون مشهد المسؤول المتسلط في لوحات مسلسل مرايا الذي قدمه الفنان ياسر العظمة، لكن هناك صورة أخرى قدمت في يوميات مدير عام للفنان أيمن زيدان وكان فيه يمثل دور المدير النظيف والجيد، لكن إذا تابعنا الحوارات نجد أن كلمة “معلم” كانت شديدة الاستخدام في المسلسل دون أن يعترض عليها المدير النظيف المميز فقد أصبحت ثقافة عامة لا ينتبه لضرورة إصلاحها طاقم العمل وتغييرها في وعي الناس.

هذا النمط يخلط بين الزيارة الشخصية والوظيفية، فزيارة العمل مكانها قاعة الاجتماعات، وهدفها ليست إظهار الترتيبة الهرمية للسلطة أمام الكاميرات فالهدف ممارسة العمل وليس استعراض السلطة

 

ظاهرة تغول المسؤول مستمرة حتى اليوم وهي تظهر بأشكال مختلفة من المواكب إلى الشعور بالأولوية في الفضاء العام والفردية في المؤسسات وتدل عليها الكثير من المشاهد، لكنني أركز على مشهدين رئيسيين: العلاقة بين المسؤول الأعلى والأدنى، والعلاقة مع الفضاء العام وبشكل رئيسي المساجد ودور العبادة.

تتكرر صور المسؤولين من وزراء ومدراء عامين الذين يزورون مسؤولين أدنى منهم في مكاتبهم، وبعيداً عن فكرة الزيارات المتبادلة فإن المسؤول الأعلى عندما يزور أي مسؤول أدنى غالباً ما يجلس مكانه خلف مكتبه، وهذا في الصورة الذهنية الراسخة لدينا أمر طبيعي لكنه فعلياً تغول على المسؤول الأدنى وظيفياً وعلى مساحته، والمكان الذي يجب أن يجلس فيه الوزير أو المدير الضيف أو أياً يكون لا يصح أن يكون خلف مكتب المدير، وبالمقابل لا يجوز للمدير أن يجلس خلف مكتبه بحضور مسؤول أعلى بروتوكلياً.

القضية هنا أن المنصب ليس امتداداً للشخص، وإنما المؤسسات مساحات عمل تشاركية ومكاتبها ليست عروشاً للتربع عليها من المسؤولين الأعلى، وربما يأتي يوم ونجد المسؤول حتى لا يجلس خلف مكتبه في الاجتماعات مع الموظفين، وإنما يجلس مقابلهم أو على طاولة مستديرة تحول دون وضع نفسه بموقع أعلى من الآخرين.

 

المشكلة لا تبدأ من شخصية المسؤول، بل من نظام إداري صُمم تاريخياً على أساس الهيمنة لا على أساس المؤسسة، وهو ما يجب تغييره من أساسه ليعود المسؤول موظفاً لا متغولاً

التغول على منابر المساجد

أما المشهد الآخر شديد الخطورة، فهو التغول على الفضاء العام والخاص وعلى سبيل المثال المساجد، فعندما يأتي مسؤول ليصلي في الجامع صلاة التراويح، هو مصلي في المسجد مثله مثل كل المصلين الآخرين مكانه بينهم لا أمامهم فلا تمييز له عليهم في دار العبادة. والمصلين في المسجد حضروا من أجل ممارسة طقوسهم وعباداتهم الخاصة والاستماع للإمام والخطيب وليس لكلام المسؤول من أي مستوى كان، وعندما يريد المسؤول أن يخاطب الناس عليه أن يختار مكانه ويخطرهم مسبقاً أنه سيخاطبهم، لا ينتهك خصوصيتهم ومساحتهم ويتسحوذ على منبر المسجد.

ومنبر المسجد هو مساحة رجل الدين من إمام وخطيب ومقرئ وما شابه، وهذه مساحتهم الوظيفية وهو مكان ممارسة دورهم مثلما أن مقر المحافظة هو هو مساحة المحافظ الوظيفية.

ختاماً بناء الدولة والثقافة العامة والسلوكية تجاه العمل الوظيفي متكاملان، فلا تُبنى الدولة بالمكاتب ولا يحظي المسؤول باحترام المواطنين بأشكال المكاتب والكراسي بل بسلوكه ونجاحه في عمله، والفضاء العام لا يدار بالصوت العالي ويتحول لمساحة لمن معه سلطة، فأساس البناء أن يعرف كل مسؤول صلاحياته وحدود مساحته والفضاء الذي يحق له فيه أن يخاطب الناس ويتصدر المنبر.

زر الذهاب إلى الأعلى