مدرسة اللاييك تفصل الذكور عن الإناث… دفن التنوع في المجتمع
مدرسة اللاييك تستجيب للضغوط وتفصل الذكور عن الإناث
فصلت مدرسة اللاييك “معهد الحرية حالياً” الطلاب الذكور عن الإناث، بعد عام على مطالبة لجنة حي ساروجة مديرية تربية دمشق باتخاذ القرار ذاته، في خطوة أثارت منذ طرحها الأول انتقادات اجتماعية وحقوقية ومخاوف من توسع نفوذ تيارات دينية تسعى لفرض رؤيتها للعلاقة بين النساء والرجال على المؤسسات التعليمية والمجتمع.
سناك سوري – دمشق
وقالت إدارة المعهد في إعلان موجه إلى أولياء الأمور إنها خصصت صفوفاً وباحات منفصلة للذكور وأخرى للإناث، بعد ما وصفته بـ«دراسة دقيقة وشفافة لواقع معهد الحرية»، وبررت القرار بـ«تلافي بعض المشكلات التي كانت تحصل سابقاً»، فيما استثنت المرحلة الابتدائية من الفصل.
لكن الإدارة لم توضح ماهية هذه المشكلات، ولم تنشر الدراسة التي قالت إنها استندت إليها، أو تشرح لماذا خلصت إلى أن فصل الجنسين هو الحل لمعالجتها.
لكن بالعودة إلى مطالب لجنة حي ساروجة في تموز 2025، فإنها تقدمت بكتاب رسمي إلى مديرية التربية والتعليم تطلب فيه فصل الذكور عن الإناث في مدرسة اللاييك، وإن المديرية استجابت لطلبها وإن الفصل سيطبق مع بداية الفصل الدراسي التالي.
وبررت اللجنة طلبها آنذاك بتوفير بيئة تعليمية، وبوضوح إن الخطوة تستند أيضاً إلى «مبادئ الشريعة الإسلامية» التي تحث، وفق رؤيتها، على الفصل بين الجنسين في سن معينة. بينما هناك تفسيرات أخرى في المجتمع السوري ترفض الفصل بين الجنسين.
وكان الإعلان قد أثار انتقادات وتساؤلات حينها، بينها سؤال حول علاقة لجنة حي ساروجة بالمدرسة وحدود تدخل لجان الأحياء في قرارات تربوية من هذا النوع.
مخاوف من فرض رؤية دينية على المجتمع
لا تنفصل المخاوف من قرار اللاييك عن سياق أوسع شهد محاولات وقرارات مشابهة في قطاع التعليم خلال الفترة الماضية، ارتبط بعضها بشكل مباشر بمسؤولين أو تيارات ذات توجه ديني وعقائد خاصة تعتقد بالفصل بين الجنسين وتريد فرضه على المجتمع.
وسبق أن وثق “سناك سوري” في أيلول 2025 فصل تلاميذ وتلميذات في مدارس بحمص، بعد توجيهات صدرت عن مسؤول ديني في مديرية التربية، وخلصت المادة حينها إلى أن خلفية القرار عقائدية أكثر منها تعليمية.
وهنا تبرز المخاوف من أن تتحول المدارس إلى واحدة من ساحات فرض رؤية اجتماعية ودينية محددة على المجتمع، بدلاً من أن تبقى مؤسسات عامة تستوعب تنوع السوريين وأفكارهم وأنماط حياتهم.
لجنة حي ساروجة تطالب بفصل الذكور عن الإناث في مدرسة اللاييك!
كيف سيتعلمون التعامل مع بعضهم؟
الفصل لا يعني فقط وجود صف للذكور وآخر للإناث، بل يؤثر على طبيعة العلاقة بين الجنسين منذ سنوات التكوين الأولى.
فالمدرسة واحدة من المساحات الأساسية التي يتعلم فيها الأطفال واليافعون كيف يتواصلون مع بعضهم، وكيف يعملون ضمن فريق، ويحترمون الحدود، ويتعاملون مع الاختلاف والخلاف.
وتشير دراسات دولية واسعة إلى أن الفصل بين الجنسين في المدارس قد يرتبط بآثار اجتماعية تتعلق بالتواصل والصور النمطية الجندرية، وفي دراسة تحليلية واسعة نُشرت عام 2024 في مجلة Women’s Studies International Forum بعنوان Between Gendered Walls، راجع الباحثون 677 دراسة شملت أكثر من 1.17 مليون شخص، وخلصوا إلى أن التعليم المختلط لا يختلف بصورة جوهرية عن التعليم المنفصل في التحصيل الأكاديمي، بينما أظهر طلاب التعليم المختلط مهارات تواصل وثقة بالنفس أفضل. كما حذرت الدراسة من أن الفصل بين الجنسين قد يرسخ تصورات جامدة حول الفروق بين النساء والرجال ويعزز الفصل الاجتماعي بينهما.
وفي دراسة مرجعية نشرتها مجلة Science عام 2011 تحت عنوان The Pseudoscience of Single-Sex Schooling، خلص فريق من ثمانية باحثين في علم النفس والتعليم إلى أن الأدلة العلمية لا تدعم الادعاء بأن التعليم المنفصل أفضل، محذرين من أن فصل الأطفال بحسب الجنس قد يؤدي إلى تضخيم الصور النمطية والتمييز القائم على الجنس، عبر جعل الانتماء إلى مجموعة «الذكور» أو «الإناث» أكثر حضوراً في حياة الطلاب اليومية.
كما نشرت مجلة Psychological Bulletin التابعة للجمعية الأميركية لعلم النفس عام 2014 تحليلاً شمل 184 دراسة ونحو 1.6 مليون طالب وطالبة من 21 دولة. ووجد الباحثون أن الدراسات الأعلى جودة لم تظهر فوائد مهمة للتعليم المنفصل مقارنة بالتعليم المختلط، لا في الرياضيات ولا العلوم، فيما ظهرت في بعض المؤشرات نتائج صغيرة لمصلحة التعليم المختلط، بينها الطموحات التعليمية لدى الفتيات. وشملت الدراسة أيضاً مؤشرات مثل مفهوم الذات والصور النمطية الجندرية والمواقف الاجتماعية لدى الطلاب.
وتشير هذه النتائج مجتمعة إلى أن المدرسة لا تؤدي وظيفة تعليمية فقط، بل تشكل أيضاً واحدة من المساحات التي يتعلم فيها الأطفال التواصل مع الجنس الآخر والتعاون معه. لذلك فإن الفصل المستمر بين الفتيات والشبان قد يقلل فرص هذا التفاعل الطبيعي ويعزز النظر إليهما باعتبارهما مجموعتين منفصلتين، بدلاً من إعدادهم للتعامل كشركاء داخل الجامعة والعمل والمجتمع.
عندما نفصل الشباب عن الفتيات لسنوات، فإننا نقلل فرص التعارف الطبيعي والتواصل اليومي بينهم، ونساهم في تحويل الجنس الآخر إلى طرف بعيد وغريب بدلاً من أن يكون زميلاً وشريكاً في المجتمع.
الحكومة تسأل عن الانتماء الطائفي قبل إطلاق الاستراتيجية الوطنية للشباب
وهؤلاء الطلاب والطالبات سيخرجون لاحقاً إلى الجامعات وسوق العمل والمؤسسات العامة، وسيكون مطلوباً منهم العمل معاً في المستشفيات والمدارس والشركات والبلديات والوزارات والمنظمات.
فكيف يُفترض أن يتعلموا بناء علاقة طبيعية ومتوازنة بين الجنسين إذا كانت المدرسة نفسها تعلمهم أن الحل عند ظهور مشكلة هو وضع حاجز بينهم؟
فصل يتجاوز المدرسة إلى المجتمع.. تمثيل النساء 5.5%
الفصل المتكرر في المدارس يمكن أن يتجاوز أثره العملية التعليمية ليعزز ثقافة الفصل في المجتمع نفسه، ويجعل وجود النساء والرجال معاً في المجال العام أمراً يحتاج دائماً إلى تبرير أو تنظيم استثنائي.
وهذا ينعكس بصورة أكبر على النساء، لأن مجتمعاتنا تعاني أساساً من ضعف حضورهن في مواقع العمل والقيادة واتخاذ القرار، وأي ثقافة تبدأ بفصل الفتيات في المدرسة قد تسهم لاحقاً في تقبل إبعاد النساء عن مساحات أخرى.
وتأتي هذه المخاوف في وقت ما تزال فيه النساء ممثلات بنسبة شديدة الانخفاض في مواقع اتخاذ القرار في سوريا. فبحسب التقرير الربعي الثاني لـ”مؤشر تمثيل النساء في مواقع اتخاذ القرار”، الذي ينفذه “سناك سوري” و”إعلام من أجل النساء”، لم تتجاوز نسبة تمثيل النساء 5.56% من أصل 809 مواقع جرى رصدها، بواقع 45 امرأة فقط.
وتراجعت النسبة مقارنة بالربع الأول من عام 2026، حين بلغت 6.41%، رغم ارتفاع عدد النساء من 28 إلى 45 امرأة، لأن عدد مواقع القرار التي شملها الرصد ارتفع بصورة أكبر من 437 إلى 809 مواقع.
وعلى مستوى بعض مؤسسات الدولة، لم تتجاوز نسبة النساء 4.65% في الرئاسة ومجلس الوزراء، و3.83% في الإدارة المحلية، و2.60% في الهيئات والمديريات المركزية، ما يعكس فجوة واسعة أصلاً في حضور النساء داخل مواقع السلطة وصنع القرار.
وفي هذا السياق، تثير سياسات الفصل بين الجنسين مخاوف إضافية من ترسيخ ثقافة اجتماعية تعتبر وجود النساء والرجال في مساحات مشتركة أمراً استثنائياً، في وقت تحتاج فيه النساء أساساً إلى توسيع حضورهن ومشاركتهن في المجال العام ومؤسسات الدولة، لا إلى مزيد من الحواجز التي تفصلهن عنه.








