في سوق الحرامية حين تستدل الناس عليك من خلال “رائحة الزنخة” – سناكات سورية

أنا و”راشد” و”كاكي” وسوق الحرامية

سناك سوري – شاهر جوهر

حين يبحث المرء عن أشياء يراها جيدة، مثالية، ورائقة، يظن أنه يضيّع وقته في خلط الأوراق أثناء معاشرته لتلك الشريحة من البشر. هنا أرى أنها كانت البداية، ليس لي فقط، إنما البداية لكل شيء، للاحتجاج، للتمرد، ولكل من يرغب بالبحث عن سبب للعصيان، إنها بداية لنا جميعاً.

ففي هذا المكان وهذه العزبة بالذات لا سلطة تعلو فوق سلطة الحاج “راشد”، (على الأقل حتى امتداد الرصيف الخارجي للسوق)، مع مجموعة رجال التفوا حول أناهم من مناطق مختلفة من عشوائيات العاصمة ومشردي الأرياف السورية الأخرى، لا أعلم متى ومن أسس هذا المكان النتن، لكن ما يعلمه الجميع أن هذا المكان والذي لا يحوي سوى المشردين والمعدمين من الفئات الاجتماعية المصنفة محلياً بـ”المسحوقين”، هو مصدر انتفاعهم الوحيد وملجأهم من مطاردة الحكومة لبيع الممنوعات سراً.

فكل يوم وفي نهاية الطريق تتوقف الحافلة في الرباعي المروري حين تصب ثلاثة طرق رئيسية ورابع فرعي في عقدة مرورية خلقها جسر قديم وسط العاصمة، و الذي ميّزته الحكومة باسم جسر “الثورة”.

وعلى مسافة بضع خطوات تجرني رائحة سمك الباعة الزنخة إلى بسطة “راشد” كنقطة علّام اعتاد أن يكررها حين يريد أن يزوره أحدهم للمرة الأولى.

وفي ذلك سمعته ذات مرة يخبر أحدهم عن مكانه : «بعد جسر الثورة، بعد مدخل سوق الحرامية بأمتار، عندما تصل سيدلك أنفك على الطريق لا تقلق، فحين تبلغ رائحة السمك مداها ملء المعاطس فتنتحر الحواس وتضيع هوية الشم لديك ستجدني مثل سمكة قرش أنتظرك يا “ساردين”»، ثم أقفل ضاحكاً.

أنا أيضاً هناك وبأفكاري المعلّبة كسمكة ساردين مطبوخة كنت أزوره قبيل اندلاع الاحتجاجات في البلاد ببضعة شهور. ليس لحفاوة استقباله أحبذ الجلوس عنده لساعة أو ساعتين، ولا لجلسته الوثيرة على قطعتين من الحجارة الاسمنتية الخشنة في هذا السوق، بل لأنه بائع الكتب الوحيد الذي قبل إعارتي بعض الكتب.

هناك أشعر بآدميتي، كل شيء هنا حقيقي وغير مزيف، وأي مكان آخر هو ضرب من ضروب الخيال واليوتوبيا.

أرصفة متقابلة تقع تحت بناء قديم وسط العاصمة، بلا أبواب، ولا حرّاس ولا رقابة، يخلو السوق من المحال التجارية، بسطات الخردة القديمة تغطي جانبيه المتقابلين، وجوه الباعة غير المؤنسة والمميزة بندوب صغيرة أو سطوة سكين أو وشم غير مريحة للزائر للمرة الأولى، لكنها إحدى ضروب الطبيعة بالنسبة لي فأنا ابن تلك العشوائيات، أرضية السوق لزقة بمادة الزيت وأوراق الكتب وقطع أشرطة الكاسيت المهترئة، كتب قديمة ومجلات جنسية وأشرطة فيديو، تحف و نحاسيات، آلات تسجيل، ألبسة معاد تدويرها، أحذية، و أشياء قديمة يجمعها شيء واحد مشترك وهو أنها مستعملة وغير معروفة المصدر، ما يوحي سبب تسمية هذا المكان باسم سوق “المستعمل” أو بما يعرف شعبياً بـ”سوق الحرامية”.

لكن في المقابل تعرف الحكومة جيداً أن هؤلاء لا يجمعهم بيع قطع الخردة، بقدر ما يخفى كل واحد فيهم خلف ذلك من ممنوعات ومسروقات، لهذا انا أتحدث عن سوق الحرامية لا عن مكان آخر.

هنا تعمّقت علاقتي بـ”راشد” في أقل من نصف يوم، كنت في الثالثة والعشرين من العمر حين كنت أبحث بين كتبه الممزقة والغارقة في الخردة عن رواية أو قصة لا على التعيين، وأثناء بحثي انهالت الكتب الهشّة التي راكمها على الرصيف، حمّلق في عيناي وقبل أن تفور عيناه، ركضت إليه وقطعت الطريق على لسانه حتى لا يشتمني، فأنا أعرف طبيعة لسان الناس في هذا المكان:«لنعقد اتفاقية يا رجل، لا تصرخ، لا تشتم وممنوع شد الشعر». (قلت ذلك لعلي أضع الثلج على نار غضبه)، لكنه انفجر بالشتيمة كالبارود، فسارعت بالقول:«بالمناسبة اسمي “شاهر”، أعزب، لا أدخن، وأحب الملوخية، وأقترح أن تنص الاتفاقية على أن أعيد ترتيب كامل بسطتك وتنظيف هذه الخردة من حولها، مقابل (تكفيني شرك يا رجل)».

ابتسم وباشرت بتنفيذ بنود الاتفاق على الفور، في هذه اللحظات تحدثنا سوية، لكن حديثه لم يكن ليخلو من نبرة التهديد، فبدأ بكلمات اختصرت سبب كل هذا النشح وهذا النزف الذي عشناه لثماني سنوات لليوم:«أترى ذاك الصبي الطيب هناك، اسمه “كاكي”، سكّينه شقّت بطن أبيه لأنه نعث الخردة التي يبيعها دون أن يشتري منها مسماراً واحداً، نحن طيبون مع الأقارب يا ولد».

ليس “كاكي” من الأشخاص المؤنسين، فوجهه المخرّش يحكي ألف قصة وقصة عن عذابات الانسان عبر التاريخ، منظره يوحي بالتباكي، بالتخمة والعجز، ويحكي نتاج ما أفرزته الخسارات العسكرية العربية – الاسرائيلية من تشرد لعائلته من الجولان ليبقى أسير مخيم في عشوائيات دمشق، وهذا المكان بالنسبة له ولرفاقه الكثر هنا مثل ضميره، منظور طبوغرافي يتغير كيفما كان، لهذا ابتسمت بصفراوية وقلت بمزاح ليس في مكانه : «أحلا ناس والله».

في هذه الأثناء عبقت رائحة عطره غلّفت لوهلة رائحة السمك والزنخ التي تعج بالمكان، اقترب شاب أنيق ببدلة وربطة عنق وقد التصقت به فتاة بساقان جميلتان، وأخذا يبحثان عن بعض الكتب بعيناهما فقط دون أن يلمسا شيء، ثم غادرا المكان بكل لباقة، لكن مظهرهما الأنيق كان ملفتاً لكل من كان في السوق.

انتصب “كاكي” لرؤيتهما فوق بسطته مثل نسر يمنعه أسد عن التهام جثة غزالة، ثم أخذ يتأوه بصوتٍ عالٍ، يعض على شفتيه المتورمتين وهو يدفع بحوضه في الهواء بحركات بطيئة للوراء والأمام، ليلتف حوله في ثواني لفيف من صبية السوق مكررين معه حركاته السوقية التي لا تجدها سوى في هذا المكان.

أكمل “راشد”: «أترى هذا الطنط الذي يجر تلك (الشقفة) معه وأعجبتك ساقاها وظهرها العاري، إنه مدير في أحد الأحزاب التي انخرطت حديثاً في صفوف الجبهة الوطنية التقدمية، إنهم يشترون بدلاتهم من تعبنا يا ولد. أترى أيضاً ذاك الشاب هناك .. هناك بالقرب من كشك الصحف اليومية .. بائع المحروقات الأسمر الهزيل الذي يزوّد السيارة البيضاء بالوقود، إنه من “دير الزور” استحوذت الحكومة على أرضه بذريعة قوانين التأميم الاشتراكي بعد أن اكتشفت بئر نفط فيها، ومنذ ذاك النهار وهو يتسكع في شوارع دمشق يبيع الوقود تارة، والصحف اليومية تارة أخرى علّه يجد مردود دخل بديل لعائلته بعد أن خسر أرضه. انظر إليه جيداً ، أنا أعرفه بصماً إنه الآن يفكر في سره كيف أخذت الحكومة أرضه ليركب الآخرون سيارة، في حين مات أبوه ولم يركب يوماً غير ظهر زوجته و حماره».

يضحك بهستيرية لكلامه، ثم يكمل على نفس المنوال: «أنت تشبه “مسعود” كثيراً، من أين أنت؟».

أجبت: «من الجولان». «يعني ابن فلاح، هو الآخر ابن فلاح، هرب من عائلته لأنه لم يتمكن من الزواج من صبية أحبها وأحبته، وتمرد على كل شيء، وحين وصل لم يكن يعرف شيء سوى العمل في الأرض..»

يشير بأصبعه لجهة أخرى على يمينه: «إنه الآن يعمل هناك في كشك صغير لبيع أشرطة الكاسيت، يأتيه الصبية والمراهقون من كل مكان لشراء الأفلام الإباحية، الحكومة تتغاضى عن ذلك عن قصد. إنه يجني من ذلك الكثير من المال، وهو يشعر بالعدالة مذ انضم إلينا، فقد ارتدى بنطالاً بخصر قصير، ووضع حلقاً في أذنه، كما وشم اسم حبيبته بأحرف صغيرة على عنقه، ولديه الكثير من الفتيات، يكفي أنه لن يكدّ ويتعب بعد الآن في الأرض ليأكل المترفون في هذه المدينة جهده حتى يشعر بالعدالة».

تلفّظ بتلك الكلمات، استأذنته ومضيت، وفي غرفة صغيرة استأجرتها لإكمال دراستي في عشوائيات العاصمة فكرت بالتمرد للمرة الأولى في حياتي “كيف أن العدالة توازن”، وكيف لم يخطر ببالي يوماً أننا نحن الفلاحون مثل خبز الشعير مأكولون مذمومون، بل مثل عقب سيجارة قديم يمجّنا بتروي أحمق ولا يلائمه في نهاية المسير سوى أن يدعس على أعقابنا.

الغريب في الأمر أن على موائد الجميع في العاصمة وكل يوم لا يرون ساعات طوال من التعب وأشعة الشمس الحارقة والجهد المبذول حتى وصلت تلك الخضروات والفواكه التي نزرعها إلى معدتهم، وفي النهاية لا يلائمهم في شتم الفلاح الفقير سوى وصفه بالـ “قروي والمتخلف”. مساكين هم الفلاحين، و أبناء المدن لا يعلموا أنهم يسمنوا من يدا هذا (المتخلف) الناحل.

لهذا أعتقد أن في الأمر ضرورة للتمرد

اقرأ أيضاً: آخر رسائل الجنوب – شاهر جوهر

المقالات المنشورة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الموقع

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *