من الدمج إلى الفصل.. هل تنقذ وزارة الصناعة الجديدة الإنتاج السوري؟
الدكتورة منال الشياح تلخص مخاطر الفصل بين التجارة الداخلية والخارجية في سوريا
تطرح عودة وزارة الصناعة في سوريا، بعد دمجها ضمن وزارة الاقتصاد والصناعة، نقاشات حول جدوى إعادة هيكلة الحكومة وقدرتها على معالجة تحديات الإنتاج المحلي، وبين توزيع الصلاحيات وتبسيط الإجراءات، يتوقف أثر هذه الخطوة على قدرتها على تقليص البيروقراطية وتحفيز الاستثمار، وتحقيق التوازن بين دعم الصناعة وتنظيم التجارة وحماية المستهلك.
سناك سوري – هبة الكل
بعد نحو عام ونصف على دمج قطاعات الصناعة والاقتصاد والتجارتين الخارجية والداخلية وحماية المستهلك ضمن وزارة واحدة، تعود سوريا إلى فصل بعض هذه الاختصاصات، ففي آذار/مارس 2025، تولّى محمد نضال الشعار وزارة الاقتصاد والصناعة، ضمن توجه حكومي لتقليص عدد الوزارات وإعادة تنظيم العمل الإداري، وفي 19 تشرين الأول/أكتوبر 2026، صدر المرسوم رقم 189، القاضي بتعيين باسل عبد العزيز عبد الحنان وزيراً للصناعة والتجارة الداخلية وحماية المستهلك.
يعيد القرار فتح النقاش حول جدوى الدمج والفصل في إدارة الاقتصاد السوري، الذي يحتاج إلى إعادة تشغيل منشآته الصناعية، وتحفيز الاستثمار، وتنظيم الأسواق، وتكشف الأرقام المتاحة عن حجم التحدي الذي تواجهه الصناعة السورية، إذ بلغ عدد المنشآت الصناعية العاملة نحو 21,206 منشآت، مقابل 14,592 منشأة متوقفة في كانون الثاني/يناير 2026، أما المنشآت الحرفية، فقد بلغ إجمالي المنشآت العاملة 81,200 منشأة، مقابل 47,349 منشأة متوقفة.
وتتصل هذه التحديات بكلفة التشغيل، ولا سيما الطاقة، ففي تموز/يوليو 2026، خُفّض سعر الفيول الصناعي من 475 إلى 400 دولار للطن، في خطوة ذكرت الحكومة أنها تستهدف تخفيف الأعباء عن المنتجين وتعزيز تنافسية الصناعة المحلية، وفي المقابل، أشار تقرير صحفي عن الصناعيين في حلب إلى أن تعرفة الكهرباء للمنشآت التي تحتاج إلى تغذية مستمرة بلغت 1,700 ليرة سورية للكيلوواط الساعي، مع تفاوت أثرها على تكاليف الإنتاج بحسب طبيعة النشاط الصناعي.
وتظهر هذه المؤشرات أن التحدي لا يقتصر على إعادة توزيع الاختصاصات الحكومية، بل يشمل تهيئة الظروف التي تسمح للمنشآت المتوقفة بالعودة إلى العمل، وللمنشآت القائمة بخفض تكاليفها وتحديث معداتها.

وزارة واحدة لا تصنع اقتصاداً متكاملاً
عندما تشكلت الحكومة الانتقالية في آذار/مارس 2025، انخفض عدد وزرائها إلى 23، مقارنة بـ29 وزارة في آخر تشكيل حكومي قبل سقوط الأسد، وقد شملت إعادة الهيكلة دمج قطاعات الصناعة والاقتصاد والتجارة في وزارة واحدة، إلى جانب جمع الكهرباء والنفط والثروات المعدنية والموارد المائية ضمن وزارة الطاقة، واستحداث وزارتي الشباب والرياضة وإدارة الطوارئ والكوارث.
في حديثها لموقع سناك سوري، توضح نائب عميد كلية الاقتصاد الثانية بجامعة دمشق، الدكتورة “منال الشياح”، أن إعادة توزيع الاختصاصات قد تمنح بعض القطاعات مساحة أكبر للتخصص، ولا سيما أن إعادة تشغيل المنشآت الصناعية وزيادة الإنتاج وتحفيز الاستثمار ومعالجة اختلالات الأسواق، وتحسين القدرة الشرائية للمواطنين، تتطلب مسؤوليات واضحة وأدوات تنفيذ مناسبة، الأمر الذي يفسر التوجه نحو إعادة الفصل المؤسسي.
وتحذر “الشياح” من اختزال التغييرات الحكومية في إعادة توزيع المناصب والهياكل الإدارية، مؤكدة أن نجاح الخطوة يرتبط بتسريع القرارات وتحسين بيئة الأعمال وتسهيل الإجراءات أمام المستثمرين، أما إذا اقتصرت على إعادة توزيع المناصب، فقد تزيد التكاليف الحكومية من دون تحقيق عائد اقتصادي ملموس، وتضيف لسناك سوري: «لا يعني تعيين وزير للصناعة إلغاء وزارة الاقتصاد، بل يشير إلى إعادة توزيع الاختصاصات الحكومية، ولا بد من انتظار القرارات التنظيمية اللاحقة التي توضح صلاحيات كل منهما وآليات التنسيق بينهما».
مرضى غسيل الكلى مهددون في مشفى المجتهد: الكمية تكفي 5 أيام فقط
بين الصناعة وحماية المستهلك
تواجه الصناعة السورية تحديات تتعلق بتكاليف الطاقة والتمويل والمواد الأولية، فضلاً عن البنية التحتية وسلاسل الإمداد، والوصول إلى الأسواق الخارجية، وفي المقابل، يحتاج المستهلك إلى خيارات سوقية متعددة وأسعار مناسبة، وعليه، تعتقد الدكتورة “منال” أن الجمع بين الصناعة والتجارة الداخلية قد يكون مفيداً إذا أسهم في تنسيق السياسات الصناعية والتجارية، وتسهيل سلاسل التوريد، ومعالجة تحديات الإنتاج، لكنه قد يضر بالسوق إذا جاء على حساب المستهلك أو قيّد المنافسة لصالح منشآت غير كفؤة، موضحة أن اقتصاد السوق لا يعني غياب دور الدولة، بل تنظيم المنافسة ومنع الاحتكار، بالتوازي مع تطوير الإنتاج المحلي، إذ إن تحرير التجارة دون تعزيز قدرة الصناعة السورية قد يضغط على المنشآت وفرص العمل.
وتؤكد أن نجاح هذا النموذج يتطلب توزيعاً واضحاً للصلاحيات، والفصل بين دعم المنتجين والرقابة على الأسواق، بحيث لا تتحول حماية الصناعة إلى ذريعة لتقييد المنافسة، فالهدف، وفق رؤيتها، هو تحقيق التوازن بين صناعة أكثر كفاءة، وتجارة أكثر تنافسية، وسلع متوافرة بأسعار تناسب القدرة الشرائية للمواطن.
إعادة فصل الوزارات قد يمتد لوزارة الطاقة التي دمجت عدة وزارات في إدارة واحدة
فخ البيروقراطية
وحول تجنب البيروقراطية الإدارية عند إدارة الملفات الصناعية وحماية المستهلك، وبما يحفظ حقوق المستهلك، تؤكد نائب عميد كلية الاقتصاد أن الحد من البيروقراطية لا يرتبط بدمج الوزارات أو فصلها، بل بتبسيط الإجراءات وتسريع المعاملات ولا سيما التراخيص الصناعية والموافقات التجارية، وتعزيز الشفافية والمساءلة. وفي سوريا، يتطلب ذلك تسهيل التراخيص الصناعية، واعتماد النافذة الواحدة والتحول الرقمي، بما يخفف الأعباء عن المستثمرين ويسرّع إعادة تشغيل المنشآت.
وتشدد الدكتورة “منال” على ضرورة الفصل بين دعم الصناعة والرقابة على الأسواق، لضمان تطبيق معايير الجودة على المنتجات المحلية والمستوردة دون انتقائية، وتطوير آليات الشكاوى وفحص السلع وتوجيه الرقابة نحو المخاطر الأعلى، بحيث تُوجَّه الموارد الرقابية بصورة أكبر إلى القطاعات والسلع التي تنطوي على مخاطر مرتفعة، بدلاً من توزيع الجهد بالتساوي على جميع المنشآت، مع الحفاظ على الحد الأدنى الضروري من الرقابة العامة.
وتبين أن تقليل التعقيدات الإدارية يجب أن يترافق مع رقابة فعالة تحمي المستهلك وتحد من الغش والاحتكار، بما يعزز الثقة بالسوق ويشجع الإنتاج والاستثمار والمنافسة العادلة ضمن الاقتصاد الرسمي، ويتيح توجيه مزيد من الموارد نحو الإنتاج والتوظيف، منبهة إلى أن: “النجاح يتطلب دولة أقل تعقيداً في إجراءاتها، وأكثر فاعلية في رقابتها، دولة تسهّل الإنتاج والاستثمار، لكنها لا تتساهل في حقوق المستهلك وسلامة السلع وعدالة المنافسة”.
مخاطر الفصل بين التجارة الخارجية والداخلية
تشير الدكتورة “منال” إلى أن الفصل بين التجارة الخارجية، المعنية بالاستيراد والتصدير والأسواق الدولية، والتجارة الداخلية، المسؤولة عن تنظيم السوق وحماية المستهلك، قد يعزز التخصص، لا سيما إذا كان اتجاه سوريا نحو توسيع تجارتها الخارجية، واستعادة حضور منتجاتها في الأسواق الإقليمية والدولية، وجذب الاستثمارات التي تحتاج إلى قواعد تجارية مستقرة وواضحة.
غير أن استقلال الوزارتين ليس بالضرورة الخيار الأفضل في جميع الظروف، إذ تنوه الدكتورة “منال” إلى ملفات مشتركة بين الداخلية والخارجية تتطلب تنسيقاً مستمراً، مثل تنظيم الاستيراد، والتعامل مع السلع الأساسية، وتحديد الاحتياجات من مدخلات الإنتاج، وتيسير تصدير المنتجات المحلية، ومعالجة أثر الواردات على الصناعة الوطنية.
ما تحتاج إليه سوريا اليوم هو نموذج إداري يوازن بين التخصص والتكامل، ويجعل نتائج الأداء الاقتصادي والخدمي هي المعيار الأساسي للحكم على نجاح أي هيكل حكومي.
وتطرح نائب عميد كلية الاقتصاد مثالاً لذلك، إذ قد يؤدي قرار يتعلق بالاستيراد إلى خفض أسعار سلعة محلية فيستفيد المستهلك، لكنه قد يؤثر أيضاً في قدرة المنتج السوري على المنافسة إذا لم تتوافر له شروط إنتاجية متكافئة، وفي المقابل، قد يؤدي تقييد الاستيراد بهدف حماية الصناعة إلى ارتفاع الأسعار أو نقص المعروض إذا لم يكن الإنتاج المحلي قادراً على تلبية الطلب، لهذا، ترى أن المطلوب هو الربط بين السياسة التجارية الخارجية والسياسة الاقتصادية الداخلية، بحيث لا تُتخذ القرارات بمعزل عن آثارها على الإنتاج والأسعار والتشغيل والميزان التجاري.
أما مسألة إعادة وزارة مستقلة للتجارة الخارجية، فينبغي أن ترتبط بحجم المهام الفعلية، والموارد المتاحة، وقدرة الوزارة على تحقيق قيمة مضافة لا تستطيع الإدارة القائمة تحقيقها بالكفاءة نفسها، وفق الدكتورة “منال”، مشيرة إلى إمكانية اعتماد نموذج تبقى فيه التجارة الخارجية ضمن وزارة الاقتصاد، مع وجود إدارة متخصصة بصلاحيات واضحة، وآليات تنسيق ملزمة مع وزارة الصناعة والتجارة الداخلية، وفق آليات تقوم على توزيع الاختصاصات، ورسم السياسات الاقتصادية والتجارية والاستثمارية العامة، بينما تتولى الجهات التنفيذية المختصة تطبيق السياسات المتعلقة بالصناعة والأسواق.
وزارة الطاقة.. اختبار آخر!
تطرح وزارة الطاقة، التي جُمعت تحت مظلتها ملفات الكهرباء والنفط والموارد المائية، سؤالاً مشابهاً بشأن حدود الدمج بين قطاعات مختلفة، ووهل يمكن أن تشهد فصلاً لبعض قطاعاتها.
ترجح الدكتورة “منال” امتداد توزيع الاختصاصات إلى وزارة الطاقة، لكن احتمال فصل هذه الملفات يتوقف على تقييم أداء الهيكل الحالي وقدرته على إدارة التحديات بكفاءة، وتوضح أن القطاعات الثلاثة، رغم اختلافها فنياً، مترابطة اقتصادياً، فالكهرباء ضرورية لضخ المياه ومعالجتها، والطاقة تؤثر في تكاليف الإنتاج الزراعي والصناعي، وقد يسهّل جمعها تنسيق التخطيط والاستثمارات، خصوصاً خلال إعادة تأهيل البنية التحتية، لكنه قد يفاقم تعدد الأولويات ويضعف المتابعة إذا لم تتمتع الإدارات المتخصصة بصلاحيات كافية.
وتشدد على ضرورة التمييز بين التنسيق الاستراتيجي والدمج الإداري الكامل، معتبرة أن جدوى النموذج تُقاس بنتائجه، من تحسين التغذية الكهربائية وتأمين المياه إلى خفض الفاقد وجذب استثمارات التأهيل، وفي حال أظهر التطبيق بطئاً في اتخاذ القرارات أو تشتتاً للمسؤوليات، يمكن مراجعة توزيع الاختصاصات وتعزيز استقلالية بعض المؤسسات، دون أن يستلزم ذلك بالضرورة إنشاء وزارات جديدة.
وتخلص الدكتورة الشياح إلى أن إعادة هيكلة الوزارات ليست هدفاً بحد ذاتها، بل وسيلة لتحسين إدارة الموارد العامة، وما تحتاج إليه سوريا اليوم هو نموذج إداري يوازن بين التخصص والتكامل، ويجعل نتائج الأداء الاقتصادي والخدمي هي المعيار الأساسي للحكم على نجاح أي هيكل حكومي.








