أخر الأخبارالرئيسيةرأي وتحليل

العشيرة والفزعة ومجالس الصلح.. مقابل شرعية الدولة

كيف نحمي مجالس الصلح من أن تتحول لوسيلة نجاة لمجرم

يتنامى حضور العشائر ودورها في سوريا مؤخراً على مستويين متوازيين: الأول فزعات أربكت الدولة وأحرجتها، والثاني مجالس صلح ساهمت في حقن الدماء تارةً، وقد تُستخدم لتجنيب مرتكبي جرائم المساءلة تارةً أخرى.

سناك سوري – هبة الكل

حوّلت أحداث 27 آب الماضي بلدة جديدة عرطوز إلى ساحة لصراع عشائري، على خلفية مشاجرة أطفال، سرعان ما تطورت إلى صدام عائلي، ثم إلى نزاع عشائري ومناطقي شمل البلدة بأكملها، إذ تدخلت قوى الأمن الداخلي وفرضت حظراً للتجوال، إلا أن ذلك لم ينهِ الخلاف، بل زاد التدخل الأمني من حدة الموقف، ليتدخل الأعيان ووجهاء البلدة والعشائر لحل الخلاف، ويتم فرض كلمتهم على الدولة نفسها خاصة في إطار محاسبة من تورط في الشجار من قبل أفراد الأمن العام لصالح طرف دون آخر.

قد يبدو المشهد اعتيادياً في مجتمع أنهكته الحروب والاصطفافات، حيث تبدأ المشاكل من شرارة صغيرة تتحول لخصومة، ثم ضحايا، ثم وساطة في مجلس يجمع الأطراف ويفضي إلى اتفاق قد يعيد الهدوء، إلا أن خلف هذا المشهد سؤالاً أكبر: من يملك حق حل النزاع العشائري في سوريا؟ وماذا عن القانون والمحاسبة؟

لا شك أن الإجابة ليست بسيطة، فمجالس الصلح والصلح العشائري تنتشر في مناطق مختلفة من البلاد، ويُنظر إليها باعتبارها وسيلة لاحتواء الخلافات والفزعات، ومنع الثأر وتخفيف الضغط عن القضاء، وتتألف هذه المجالس عادة من الأعيان وكبار العشيرة وأصحاب المكانة الاجتماعية الذين يملكون تأثيراً في محيطهم، ويحتكم إليهم أفراد المجتمع في بعض النزاعات.

 اختبار حدود الفزعة

شكلت أحداث السويداء في تموز 2025 أحد أوضح النماذج للفزعة العشائرية المعلنة، حيث تحركت مجموعات عشائرية من خارج المحافظة استجابة لنداءات قالت إنها جاءت لنصرة “البدو” من أقاربهم الذين تعرضوا لهجمات، الأمر الذي أكده نفير مجلس القبائل والعشائر السورية في 18 تموز دون التنسيق مع الحكومة حسب كبار شيوخ العشائر، وسط أحداث أودت بحياة عدد كبير من المدنيين، في حين لا تزال التحقيقات جارية لكشف مصير الضحايا ومنفذي الانتهاكات.

وقد تحولت هذه الفزعة إلى نقطة تحول في مسار المرحلة الانتقالية السورية واحتاجت لتدخلات خارجية لإيقافها، قبل أن تؤدي لتدويل أزمة السويداء التي تحولت لأزمة مستعصية ما تزال مستمرة حتى اليوم.

 محاولات قوننة تاريخية… وتشريع للحاضر

سبق للدولة السورية أن جربت، في منتصف القرن الماضي، تنظيم علاقتها بالعشائر قانونياً، ففي عام 1956 صدر قانون خاص بالعشائر، ولم يكن مجرد اعتراف اجتماعي بدورهم، بل وضع إطاراً رسمياً لبعض شؤونها، بما في ذلك موقع الرؤساء واللجان التحكيمية العشائرية، ونصت إحدى مواده على إمكان الفصل في القضايا الخاضعة للقواعد العشائرية من خلال هيئة تحكيمية تضم محكمين ومرجحاً، يختار الأطراف بعض أعضائها من قائمة العوارف، أي الأشخاص ذوي الخبرة في معرفة الأعراف العشائرية.

غير أن هذه التجربة لم تدم طويلاً، ففي 28 أيلول 1958، صدر القرار بالقانون رقم 166، الذي ألغى قانون العشائر عقب الوحدة السورية مع مصر. ونص على إخضاع أفراد العشائر للقوانين والقرارات والأنظمة المطبقة على بقية المواطنين، ومن الناحية القانونية، كانت الرسالة واضحة، لا قضاء عشائرياً خاصاً، ولا وضعاً تشريعياً منفصلاً للعشائر، ولا مواطنين يخضعون لمنظومتين قانونيتين مختلفتين، إلا أن القانون الذي ألغى النص السابق لم يستطع أن يلغي مجتمعاً عشائرياً وعرفاً وعارفة، فظل الشيخ شيخاً، والوجيه وجيهاً، والعارف معروفاً في بيئته، وبقيت العطوة والدية والصلح وآليات الوساطة حاضرة بدرجات متفاوتة.

لاحقاً، شهدت عدة محاولات تنظيمية أجرتها العشائر سابقاً لتوحيد صفوفها وفق ما يعرف بمجلس القبائل والعشائر السورية عام 2019، بهدف تنظيم شؤون القبائل وتوحيد العشائر في سوريا، وبعد سقوط نظام الأسد، تصاعدت النزاعات والخلافات، وأُعيد تنظيم الكتل العشائرية ضمن مكاتب ومجالس صلح عشائرية.

صلح عشائري بحضور رسمي بعد قتل عنصر أمن .. أحكام ما قبل الدولة بدلاً من القضاء

تشير المصادر إلى أن عدد مجالس الصلح ازداد بعد آذار 2025، لكن من الصعب حصرها بسبب غياب سجل وطني موحد، وتداخل التسميات بين مجلس صلح عشائري، ولجنة صلح، ومجلس أعيان، ومجلس قبائل وعشائر، كما أن بعض المجالس، مثل مجالس الصلح في مناطق الإدارة الذاتية سابقاً، كانت موجودة قبل سقوط الأسد.

مجالس الصلح.. عرف بلا قانون

مع بداية المرحلة الانتقالية تشكلت أو أعيد تنظيم مجالس صلح في دوما وريف حماة والسفيرة والصبيخان والرقة ومعدان وحي الشيخ مقصود، إلى جانب مجالس ومكاتب أوسع للصلح والعشائر.

ففي ريف حماة، عمل مجلس الصلح في جب رملة على تسوية نزاعات أسرية وملكية وخلافات في الشراكات ضمن عدد من القرى والبلدات. وفي حلب، أُعلن مجلس صلح للمحافظة يمثل المدينة والريف، ثم أعيد تشكيل مجلس الصلح في مدينة الباب بحضور إدارة المنطقة وإدارة مجلس الصلح العام في حلب.

تعمل مجالس الصلح الحالية في مساحة تقع بين العرف والقبول الاجتماعي والتنسيق مع السلطات المحلية، وبعضها يضم وجهاء وشخصيات دينية وحقوقية، فيما تتعاون مجالس أخرى مع النيابة العامة أو السلطات المحلية وفق طبيعة المنطقة والقضية.

لكن لا يبدو أن هناك حتى الآن قانوناً سورياً موحداً ينظم هذه المجالس ويحدد بوضوح طريقة اختيار أعضائها وقواعد التمثيل بما فيها النساء، وشروط العضوية ومدتها، والاختصاص الجغرافي والنوعي، وآليات الاعتراض على قراراتها، وعلاقتها بالقضاء والنيابة العامة، وحدود تدخلها في القضايا الجنائية والأحوال الشخصية.

إلا أن هذا الدور الكبير والقرارات التي تتخذها مجالس الصلح وإن كانت تطبق، فإنها تفتقر بالمحصلة إلى القانون الذي ينظم عملها والرقابة وحدود الصلاحيات المناطة بها بما يضمن ألّا تكون أداة نجاة لبعض المجرمين أحياناً عبر صلح يسقط الحق الشخصي لكنه لا يسقط الحق العام ولا ينفي خطورة المذنب على المجتمع واحتمال تكرار الجريمة.

ألمانيا ترحِّل مغني راب سوري وتصفها بالضربة العشائرية

المرأة.. الحاضرة الغائبة

عند الحديث عن مجالس الصلح، ثمة حاضر في نتائج الجلسة، وغائب غالباً عن رأس الطاولة: إنها المرأة السورية، ولعل آخر مثال ما حصل لزوجة الضحية محمد حسام الدين غميرة، إذ بدأت القضية بشكل بعيد عن مجالس الصلح، بعد أن طالبت الزوجة أسماء بحق زوجها وأولادها ومحاسبة المتورطين، تشكلت لجنة للتحقيق في ملابسات الوفاة، وأوقفت وزارة الداخلية في حينها سبعة من عناصر الشرطة للتحقيق، إلى أن دخلت لجنة صلح على خط القضية بعد نحو شهر، وانتهى الاتفاق بوصفه “دية صلحية رضائية”، مقابل غياب شبه تام للمرأة عن ذلك المجلس، والتي هي صاحبة المصلحة المباشرة في المطالبة بالعدالة، بينما يدخل أولياء الدم عرفاً الذكور، والوسطاء الاجتماعيون للتوصل إلى تسوية بمبلغ 15 ألف دولار.

فالمرأة المغيبة هنا أو في غيرها من الحوادث وما تنتجه من مجالس صلح، قد تكون أمّاً لقتيل، أو زوجة لمفقود، أو ابنة ورثت أرضاً متنازعاً عليها، أو ناجية من عنف، أو صاحبة حق في قضية زواج أو طلاق أو حضانة أو ملكية. وفي كل ذلك، قد تكون الشخص الأكثر تأثراً بالاتفاق الذي يصوغه الرجال وحدهم.

في النموذج العشائري التقليدي، بقيت رئاسة مجلس الصلح، ووظيفة العارفة، والمرجعية الاجتماعية العليا، وظائف ذكورية في الغالب. فالمرأة لم تكن عرفياً أو تقليدياً صاحبة المرجعية العشائرية التي تقود هذه المجالس أو تنطق بقرارها النهائي، وليس من السهل إقحامها فيها، نظراً لطبيعة الأعراف العشائرية المحافظة والتي تعتبر مجالس التحكيم والفصل في الديات والدماء حكراً على الرجال

شهدت الفترة الأخيرة حضور نساء في لجان صلح ووساطة، مثل بهية مراد التي ترأست لجنة صلح في دار المرأة بقامشلو، وفي الرقة، تدخلت فاطمة العلي لتحسم خلافاً عشائرياً وقع إثر مقتل ابنها، معلنة إسقاط حقها الكامل بلا فدية أو ترحيل القاتل أو الثأر، حتى إن ضحى فتيح من عشائر الرقة يثبت الاستماع إلى رأيها وتنفيذ مقترحاتها العشائرية أن الموانع ليست في أهلية المرأة بل في الأعراف التي تحصر تمثيل الصلح العشائري بالرجال فقط.

وعلى الرغم من وجود شواهد سورية تثبت حضور النساء ومشاركتهن في الصلح العشائري والوساطة وإنهاء نزاعات عشائرية دامية، لا يتوافر توثيق كافٍ يثبت أن امرأة ترأست مجلس صلح أو تولت التفاوض في قضايا الدم والدية والعفو وغيرها من الخلافات العشائرية بشكل علني مباشر، على خلاف الأردن، التي قدمت أبرز الأمثلة التي شهدت حضوراً استثنائياً للمرأة عبر الشيخة فوزة العيطان كواحدة من النساء اللواتي مارسن القضاء العشائري العرفي.

ثمة قضايا حساسة كالعنف الأسري والاعتداءات الجسدية والجنسية والتنازل عن الميراث لقاء الزواج، قد تمتنع بعض النساء عن كشف تفاصيلها الدقيقة أمام مجلس يتصدره رجال، فضلاً عن أعراف تقليدية تمارس إجحافاً على المرأة كما في قضايا الميراث، من هنا يأتي وجود النساء في مجالس الصلح ليس كزينة مؤسساتية ولا استجابة شكلية للغة الحقوق والمساواة، بل شرط لعدالة أكثر واقعية، فالمجلس الذي لا يسمع صاحبة الحق مباشرة أو من تمثلها، ويتجنب القضاء منعاً للنزاع، قد ينتج تهدئة، لكنه لا ينتج بالضرورة إنصافاً.

الرئيسية

ماذا تحتاج سوريا؟

الإجابة ليست العودة إلى قانون العشائر لعام 1956، لأن القانون نشأ في سياق تاريخي مختلف، ومنح العشائر وضعاً تشريعياً خاصاً، ثم جاء إلغاؤه لصالح مبدأ وحدة القانون والمساواة والمواطنة الواحدة أمام جميع السوريين والسوريات.

ما تحتاجه سوريا هو قانون ينظم الوساطة والصلح العشائري، من دون تحويل العوارف والمشيخة إلى قضاة فوق الدولة، ويضمن مشاركة النساء ويحمي حقوق الطفل، ويحظر استخدام السلاح أو الاحتجاز أو الفزعة الجماعية لفرض تسويات، ومن دون أن يتحول الصلح إلى بديل عن المساءلة القانونية، بذلك، لا يصبح الشيخ بديلاً عن القاضي، ولا تصبح العشيرة جهاز تنفيذ، ولا يتحول الصلح إلى ستار لإغلاق ملفات الجرائم.

نسبة النساء تنخفض إلى 5.56%.. مؤشر تمثيل النساء السوريات في مواقع اتخاذ القرار

زر الذهاب إلى الأعلى