ع طريقك خدني وصلني… البحث عن مقعد وسط زحام العاصمة

على رصيف أوتستراد المزة في دمشق، يقف أبو محمد (68 عاماً) حاملاً أكياس الخضار والفواكه التي جلبها من السوق. يرفع يده باتجاه سيارة تقترب منه، ويتابعها بعينيه، لكنه يخفضها حين يواصل سائقها طريقه دون توقف. يبدّل الأكياس بين يديه، ثم يرفع يده مجدداً. لم يعد الوقوف طويلاً سهلاً عليه، كما يقول، وكل ما يحتاجه وسيلة توصله إلى وجهته ومقعد يريح ركبتيه.
سناك سوري – مجدولين السلطي
تشكل أزمة المواصلات في دمشق معضلة حقيقية للأهالي في ساعات الازدحام الرئيسية في الصباح ومع نهاية الدوام، فيتدافع الناس في الكراجات وعلى الطرق والأوتسترادات بحثاً عن موضع في وسيلة نقل توصلهم إلى أعمالهم قبل أن يتأخروا عليها أو تعيدهم لمنازلهم لكي لا يتأخروا عن التزاماتهم الأسرية.
تحت الشمس، يقف الرجل البالغ من العمر 68 عاماً، منحني الظهر، بأكياسه الثقيلة ينتظر وسيلة نقل تنقله إلى منزله. وبينما لا يجد مكاناً من شدة الازدحام يجرب أن يلوح بيده لسيارات خاصة تمر من قربه، تمرّ سيارات عدة قبل أن يخفف أحد السائقين سرعته ويتوقف إلى جانبه. ينزل زجاج النافذة ويسأله: «لوين رايح؟». يشير أبو محمد إلى وجهته. ينزل السائق ليساعده في وضع الأكياس داخل السيارة، ثم يصعد الرجل وتغادر السيارة الرصيف.
أزمة المواصلات في دمشق والحلول المنتظرة
معضلة المواصلات عتيقة وعميقة في العاصمة السورية التي لم تغير الظروف ولا نظم الإدارة والحوكمة من واقع الازدحام فيها وربما تأخر الزمن على الحلول الجذرية كتنفيذ مترو أنفاق، لكن بقيت الحلول الوسطة ممكنة كتطوير منظومة نقل ومواصلات حديثة تستوعب أكبر عدد ممكن من المواطنين وتخفف الازدحام في العاصمة، وهي تنتظر من يفكر فيها جدياً ويضع الدراسات والتنفيذ لأجلها.
على بعد خطوات من العم “أبو محمد”، كانت رنا (34 عاماً) تمسك بيد طفلها الصغير المصاب بالحمى. تنظر إلى السيارات المارة بلهفة، وكلما اقتربت إحداها تشد يد طفلها أكثر، وتتمتم بصوت خافت: يا رب تكون هالسيارة رايحة ع عيادة الدكتور بالجسر الأبيض. تمر السيارة، فتعود بنظرها إلى الطريق، مترقبة وسيلة نقل عامة أو شخصاً يتوقف.
مشهد الركض والجري يبدو اعتيادياً في أوقات الازدحام تشعر أن الجميع مستعجل ومجبر أحياناً على فعل أشياء لا يحبها “كالمطاحشة، والتدافع” من أجل الظفر بمقعد أو تجاوز الحرج والتلويح للسيارات العابرة.
مساعدة عابرة وسط ازدحام العاصمة
كثير ممن يلوحون للسيارات هم مجبرون على ذلك، “سناء” موظفة في شركة خاصة، تركض متأخرة عن عملها وتنظر إلى ساعتها ثم تلوح بيدها لأي سيارة عابرة تنقلها بطريقها، تقول لـ سناك سوري “إذا بتأخر بيخصمولي من شغلي وما عندي رفاهية الخصم”، تتجاوز أسئلتنا وتنظر إلى سيارة أخرى عابرة وتلوح ثم تتابع سيرها من مبدأ كلما اقتربت بالمشي أكثر كلما قلت المسافة التي سأقطعها بالوسيلة “إن توفرت”.
يجد الكثير من المنتظرين في الازدحام من يصفونهم بـ “أهل الخير” الذين يتشاركون سياراتهم الخاصة مع أناس لا يعرفونهم في سبيل المساعدة وتسهيل حركتهم فقط، يقول “عدنان” وهو صاحب سيارة خاصة رصدناه وقد توقف ليقل “رنا” وطفلها إنه “يهتم لمساعدة الآخرين، ويتعاطف مع المنتظرين بالازدحام كل صباح وينقل منهم من يكون على طريقه ويضيف “الناس لبعضها”.
غادر الركاب واحداً تلو الآخر، وبقي الرصيف يستقبل وجوهاً جديدة تنتظر وبقيت مشكلة الازدحام قائمة، وحتى وصول الحل ينتظر السوريون في العاصمة مقعداً في وسيلة نقل، في وقت تبدو الحاجة فيه مستمرة لمفاهيم مثل “النخوة” و”المشاركة” والتي يترتب عليها أن يفتح أصحاب السيارات الخاصة أبوابهم للمواطنين أوقات الازدحام ويتشاركوا الطريق من مبدأ الأغنية “عطريقك خدني وصلني”، وربما تتمتها السورية اسعفني ونجني من غضب المسؤولين في العمل أو من سخط الأسرة على غيابي الطويل عنها.








