الرئيسيةسوريا الجميلة

عائلة العسس.. الأشقاء الأربعة تخطَّوا فقدانهم البصر وحصلوا على حياة

“ليما و لينا وصفاء ويحيى”.. تجربة ملهمة تثبت أن العائق الوحيد في حياة أي إنسان هو ذاته فقط

سناك سوري – حسان إبراهيم

تغلب الأشقاء “لينا و ليما وصفاء ويحيى العسس”، من أهالي حي “المهاجرين” في “حمص” الذين ولدوا فاقدين للبصر على حالتهم الصحية الخاصة، فانخرطوا بالمجتمع مدعومين بثقة وقوة حصلوا عليها من تحصيلهم العلمي وشهاداتهم الجامعية.

“لينا” وهي الابنة الكبرى للعائلة، تحمل إجازة في اللغة الإنكليزية من جامعة البعث العام 1996، توضح في حديثها مع سناك سوري كيف أصرّ والدها رغم ظروف المعيشة الصعبة، بداية ثمانينيات القرن الماضي على إرسالها إلى “دمشق” للالتحاق بالمدرسة النموذجية لرعاية المكفوفين «من أجل نيلي حق التعلم، كانت مرحلة صعبة على والديَّ في ذاك الوقت، وهم يرون طفلتهم الكفيفة تذهب بعيداً عنهم».

لم يمضِ الكثير حتى التحق بها أشقائها الـ3 تباعاً إلى المدرسة التي كان نظام التعليم فيها داخلياً، تضيف: «أخذت على عاتقي دور رعايتهم إلى جانب متابعة دراستي، أحببت اللغة الإنكليزية وتفوقت فيها طوال مراحل الدراسة حتى أنني درّستُ زملائي في الصفوف الأدنى، ولكن وظيفتي الحالية كعاملة مقسم في إحدى الشركات العامة، كانت مخيبة لحلمي بأن أصبح معلمة»، مشيرة إلى أنها تعيش حياتها  بشكل طبيعي من ناحية الذهاب والإياب إلى العمل وما زالت تتابع قراءة الروايات والأعمال باللغة الإنكليزية عبر تطبيق ‘‘اليوتيوب’’ على جهازها الخلوي.

اقرأ أيضاً: خديجة طباشة… كفيفة البصر تحمل شهادتين جامعيتين وتُعلم المكفوفين

بدورها “ليما” الحاصلة على إجازة في علم الاجتماع وتعمل حالياً كمرشدة نفسية في مدرسة ‘‘الثورة’’ للتعليم الأساسي بـ”حمص”، تستذكر فترة الإقامة الداخلية بالمدرسة في بداياتها، حيث عانت من صعوبات كثيرة قبل أن تتأقلم مع مكانها الجديد، بمساعدة مستمرة من والديها وأشقائها.

الاختصاص الذي اختارته “ليما”، كان صعبا كما تقول، كونه يحتاج إلى بحث في مراجع علمية ضخمة، والاضطرار للتنقل إلى أماكن مختلفة من أجل إعداد حلقات بحث خاصة بموضوع معين، والالتزام بدوام الكلية كاملاً إلى جانب العيش في المدينة الجامعية مع أشخاص جدد، مؤكدة أن كل ذلك كان يهونه الإصرار على تحقيق حلمها وعائلتها بنيل الشهادة الجامعية.

“صفاء” كانت الطفلة المدللة لدى أشقائها في المدرسة الداخلية التي كانوا يقيمون ويدرسون فيها، وقد تعلمت منهم معنى المثابرة والاجتهاد في تحصيلها الدراسي، كما تقول، تضيف: «ميولي كانت تتجه نحو اللغة العربية، لذا فقد اخترت دراستها في الجامعة لمدة سنتين قبل توقفي لأسباب خاصة، لكني ما زلت مثابرة على قراءة الروايات والقصص لأهم المؤلفين من أمثال “عبد الرحمن منيف” و “نجيب محفوظ” وغيرهم».

اقرأ أيضاً: دلال عباس.. بعينين معمضتين نالت الماجستير بتقدير جيد جداً

لاينسَ “يحيى” الحاصل على الإجازة في علم الاجتماع من جامعة “دمشق”، رحلة الكفاح التي خاضها والده الراحل معهم طيلة سنوات حياته وإصراره على تعليمهم، خاصة وأنهم موجودون ضمن بيئة لم يكن لديها آنذاك الوعي الكامل تجاه حقوق المكفوف في أن يكون شخصاً فاعلاً في مجتمعه، مؤكداً أن والده تحدى كل الأعراف التي كانت سائدة منذ نحو خمس وأربعين عاماً ولم تنتهِ لغاية يومنا هذا بشكل كامل.

يحيى ضمن أعضاء فريق كرة الهدف للمكفوفين

الوالد كان يحرص على زيارتهم حتى في أماكن عملهم لغاية آخر سنوات حياته، يقول “يحيى”، ويضيف أن لوالدته دور لا يقل أهمية، في تقديم الدعم والرعاية التي افتقدوها خلال إقامتهم بالمدرسة الداخلية.

يعمل ‘‘يحيى’’ حالياً كأمين سر في جمعية رعاية المكفوفين في ‘‘حمص’’ والتي يعتبر مع شقيقته ‘‘لينا’’، من أوائل المؤسسين لها في بداية تسعينيات القرن الماضي، وهو مدرِّب معتمد لمهارات التعامل مع المكفوفين منذ عام 2006 ولغاية يومنا هذا، و حاصل على شهادات دولية في التدريب من منظمات دولية تابعة للأمم المتحدة، وأخرى من مؤسسة ‘‘رضا سعيد’’، إضافة لوظيفته العامة في وزارة الصناعة، كما أنه عضو في نادي ‘‘السلام’’ للرياضات الخاصة منذ تأسس عام 1993 مع شقيقاته.

وحاز على بطولات الجمهورية في لعبتي ‘‘كرة الهدف’’ و ‘‘الشطرنج’’ للمكفوفين، ويعتبر بحكم عمله أنَّ التعامل مع المكفوفين وذوي الاحتياجات الخاصة عموماً، لا يرتقي إلى مستوى الاحترام والتقدير للمهارات التي يمتلكها الكثير منهم، عدا عن اللامبالاة في تنفيذ القوانين التي صدرت من أجل إنصافهم، فيما يتعلق بحقهم في الوظائف العامة أو في تأمين سبل الراحة في حركتهم وتنقلاتهم.

تنظر “فضة الصالح”، إلى أولادها اليوم نظرة ملؤها السعادة والفخر، بإنجازات أولادها، مؤكدة في حديثها لـ”سناك سوري”، أن سنوات غيابهم عنا بالمدرسة الداخلية، انقضت بمرارها وحنينها، وأنها كانت دائما مطمئنة بأنهم قادرون على تحمل المسؤولية.

يذكر أن العائلة كانت تعاني وضعاً خاصاً أدى لولادة الأشقاء الـ4 وهم فاقدي البصر، بخلاف شقيقهم الأصغر الذي يعمل مدرساً بالمعهد الصناعي.

تثبت تجربة عائلة “العسس”، أن لا عائق يمكن له أن يقف في وجه أي إنسان سوى ذاته، وهي تجربة ملهمة يستطيع الجميع التعلم منها.

اقرأ أيضاً: بعينين مغمضتين و90 درجة… ريما مسعود تنال الدكتوراه

المقالات المنشورة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الموقع

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى