الرئيسيةيوميات مواطن

تذكروا وجوه آبائكم -شاهر جوهر

لماذا دفع الوالد بطفله الصغير لتعلم كيفية ذبح الدجاج بعمر العاشرة؟

بعد تفكير مطوّل في كيفية كسر ميزانية المنزل، طوّحتْ زوجتي نحوي نظرة ماكرة، ثم قالت بهدوء وسكينة “فرّوج، وعمرين ما حدا يرث”، وكأنها علمت من ترددي في بحثي عن فتوة معيشية حول غداء اليوم.

سناك سوري – شاهر جوهر

ومن هذا المبدأ اندفعت قدماي على عَجل إلى محل “دربل” للفروج الحي في القرية، من بين رائحة الدجاج العفنة والريش المدعوك بالعلف والماء الآسن نط أمامي صبي أسمر، نحيف بشعر مكزبر، حك أنفه الصغير النافر والقشيب مثل حبة فطر متوسطة، ثم سألني بأدب (كم طلبك؟). ثم قفز خفيفاً كثعلب جائع بين الدجاجات حتى ارتخت تكة بيجامته فبانت نصف مؤخرته السمراء. حمل دجاجة ووضعها على الميزان، كنت أتابعه كمن كنت أعلم أني سأكتب عنه، فكل شيء به ينبئك أنه لو تسنت له الظروف لكان كاركتر لطيف لفيلم مأساوي طويل.

حمل السكين وتمتم بتردد: “باسم الله، سبحان من حللك للذبح”. ثم أثقل يده وجز عنقها بتوجس حتى تسايلت روحها من بين أصابعه. طبطب صاحب المحل على كتفه وختم طبطبته بعبارة (عفارم). انتاب الصبي الفخر لذاك الإطراء ولصنيعه.

هنا كان ينبغي سؤال ذاك الصبي المتخايل بشيء من فضول:
– هل تعمل هنا؟
– لا، أنا أنتظر أمعاء الدجاجات كي آخذهن لكلبي
– لديك كلب؟!
– نعم وأسميته “دوخي”
– ولما تربي كلباً؟
– الكلب أحسن من الإنسان يا عم، الإنسان سيء، نصفه سيء، أما الكلب فكله جيد.

إنها وجهة نظر مأساوية حول الطبيعة البشرية من صبي لازال في العاشرة.

اقرأ أيضاً: حكاية مطعس وجاره.. هكذا لم يمت الخير فينا – شاهر جوهر

غادر الصبي المكان حاملاً كيساً مليئاً بأمعاء الدجاج كطعام دسم لكلبه “دوخي”، وعلى إثره وبينما أراقب مؤخرته وهو يعبر الشارع ويطلق صفيراً مزعجاً لأصدقائه انتابني شعور المحب نحو هذا الرجل الذي لازال في العاشرة.

سألت صاحب المحل، إكمالاً لحشريتي، عن سبب السماح لصبي صغير بذبح دجاجاته. مسح صاحب المحل يداه الغارقتان بالدماء بوزرته المتسخة حول خصره و أجاب: “هذا حمدان، وقد رجاني والده أن أدرّبه على ذبح الفروج الحي”. أمام هذا الجواب كررت فضولي أمامه وسألته السبب، فقال إن والد هذا الصبي طلب ذلك لأنه سيهاجر في حال استلم جواز سفره، ولهذا أراد الأب أن يدرب ولده على ذبح الفروج الحي كي يقوى قلبه ويقسى، لأنه لا يعلم إن كان سينجو في هجرته أم لا، وفي حال قتلته الهجرة كما فعلت بكثر قبله سيكون الصبي حمدان قادراً على حماية والدته وإخوته الصغار من بعده.

في هذه القطعة المحترقة من العالم والتي يسمونها “سوريا”، هناك أب من بين ألف أب يبقى مع أبنائه ولا يتركهم، بينما الصامد الوحيد من بين تلك الألف يندم على صموده وأنه لم يغادر.

تذكروا، وجوه الأباء مصاحف مقدسة لو تدرون، والأبوّة كالنبوّة لا تختلف عنها بشيء حيال العاطفة والتعاطف، لكننا نظلم هذه السجية الذكورية في الأدب والدراما والصحافة، قد نظلم الذكور المنكوبين بأبناء متطلبين. قد نظلمهم في الحرب وفي السلم حين يتركون منازلهم وحبيباتهم وأبنائهم وحكايا جداتهم مكرهين ليغامروا بالغربة باحثين عن حياة حلوة كي لا يشقى الأبناء كما شقوا هم وتعذبوا بها.

لا وصية لأبنائنا التائهين بالحياة الآن إلا أن يبقوا أقوياء، قساة، على قدر الواقع والوجع وعلى قدر الحمل، وإنه والله لحمل ثقيل. حين تكبروا تذكروا وجوه آبائكم من أعطوكم السكين وعلموكم الذبح لكنكم لم تعيدوها لهم أبداً، لهذا ترحّموا علينا، على آبائكم، الأحياء منهم والأموات، أدعوا لهم بقلوب محبة وحنونة، لأن الراحمين يرحمهم الله، لأنهم ليسوا قساة، لم يكونوا كذلك، تلك السنوات العشر هي القاسية و حياتهم هنا كانت مرّة كالعلقم لو تدرون.

اقرأ أيضاً: احذروا هذا النوع من الاحتيال.. سرق أجرتي – شاهر جوهر

المقالات المنشورة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الموقع

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
P