الشباب ثروة وثورة – ناجي سعيد

ناجي سعيد

ليس أمرًا غريبًا على الناس أن يطال الشكّ ثورة على الظلم والقهر والفساد

سناك سوري – ناجي سعيد

يقول ميخائيل نعيمة: “الشباب ثروة وثورة”. كم بسيطة لأول وهلة هذه الجملة. نعم لكن بعد التمعّن في المعنى، والتأمّل بفكرة أن أديباً من كبار أدباء العرب قد قال ذلك، فمن الطبيعي أن لا يقصد قصدًا بسيطًا وسطحيًّا، وهذا على الأقلّ سببًا يجعلنا أن نغوص في فهم القصد بعيد المدى لهذه المقولة. وسنلجأ بالتفسير إلى المعنى اللغوي للجملة بدايةً.

فالشباب ثروة بما تعني الكلمة إذا ما ذهبنا إلى الإستمرارية في الحفاظ على معنى الثروة. فالشخص الذي يملك ثروة مادية مثلاً، لا بدّ له من إتّباع مسار لإدارة ثروته كي يحافظ عليها. والثروة التي يشكّلها الشباب في أي مجتمع سكّاني، استنادًا إلى الهرم السكّاني بحسب علماء الديموغرافيا والسكّان، الشباب هم القاعدة لهذا الهرم، ولا قاعدة تمدّ السكان بمسار النمو سوى الشباب، الذي يشبه “حنفية” ماء، فكّلما تناقصت قمّة الهرم (الكهولة)، يتحرّك مستوى الفئات العمرية صعودًا في الهرم، والمحرّك له بالطبع جيل الشباب، حيث تتزايد هذه الفئة بنمو المواليد الجدد (الأطفال والمراهقين)، لذا فعلميًّا معنى الشباب هو استمرارية السكان.

والإستمرارية ليست بيولوجيّة وحسب، وهنا تأتي المفردة الثانية من المقولة “النعيمية” : ثورة، وثورة بالمعني البيولوجي أيضًا هي إنفعال يأتي نتيجة رفض لحالة من الركود يعاني منها الإنسان المراهق تحديدًا، والمصطلح بيولوجي قبل أن يكون مجتمعي.فالمراهق الذي يمر بمرحلة نمو بيولوجي لجهة بلوغ جنسي، يترجمها بسلوك مغاير هدفه لفت النظر للبالغين بأن تغييرات فيزيولوجية وصلها.

اقرأ أيضاً: استخدام العقل.. معضلة البشر المُتعبة – ناجي سعيد

وهذه التغييرات تصرخ بوجه هويته الإنسانية بأنّ جزءًا لافتًا من هويته قد برز وتظهر معه حاجات فيزيولوجية مُلزمة بشكل طبيعي (كالحاجة إلى الطعام والشراب) لكنّ أهميتها بالظهور تدفع المجتمع بأن يكون مُحضّرًا لمعرفة التعامل مع هذه التغييرات. الطفل الرضيع يُجبر الأّمّ المُرضعة أن تتغذّى لتأمين الحليب في صدرها كي ترضع طفلها. لكن المراهق الثائر (جنسيًّا) وفق التغييرات الفيزيولوجية يحتاج ليس أمًّا وأبًا لتأمين حاجته بل مُجتمع ناضج وواعٍ لإدراك التعامل مع هذه التغييرات.

المجتمعات التقليدية القديمة كانت تجعل من حاجة المراهق حُلمًا لدى الأهل بتزويج ابنهم أو ابنتهم، لتلبية حاجاته الخاصة. وتحويل هذه الحاجة الخاصة الفردية إلى شأن عام جماعي هو المشكلة الحقيقية. الجنس حاجة فردية، حوّلها المجتمع إلى حاجة مُجتمعية ليختبئ من ألسنة الناس وكأنّ الحاجة عيبًا يُوصم به المراهق. حينها يلجأ المراهق إلى إخفاء حاجته عن الآخرين ويسلك طريقين: إمّا “النقّ” على أهله ليساعدوه بالتزويج من فتاة تليق بالعائلة ولا يأبهون برغبة المراهق الجنسية التي تساعده في تحقيق ذاته، أو السكوت وإخفاء حاجته بحسب قدرته على التحمّل، وكحلّ عملي يلجأ إلى “التفريغ” ذاتيًّا بممارسة العادة السريّة، ولا أدعو بالطبع إلى ممارسة هذا التفريغ علنيًّا، بل التعامل مع المشكلة بإعداد بيئة حاضنة تستوعب علميًا النقص الناجم عن التغاضي عن هكذا حاجة.

اقرأ أيضاً: الزايد أخو الناقص – ناجي سعيد

وجدير بالمجتمع أن لا يحوّل الحاجة الفردية إلى حالة مرضية لا تُحمد عقباها، والحلّ بيد المجتمع ليتصالح مع تفريغ هذه الحاجة بطريقة متّزنة، والطرح المجتمعي الصعب التنفيذ مرتبط بنظام مجتمعي مُتقبّل لحالات الحب والإرتباط خارج إطار المؤسسّات الزوجية، وأعتقد بأن الدين لم يحرّم الإرتباط بكل الأشكال بل الدين المجتمعي وليس السماوي هو من يُعقّد الأمر. فشرعًا وبحسب الرسول فإنّ الزواج دينيًّا هو تفاهم بين طرفين، أضاف إليها الرسول مفهوم الإشهار، لدرء لسانات الناس، ولجم “حشريتهم” التي لا تُدرج في جدول الحاجات أبدًا، إنّما خوف الرسول من خطر المجتمع جعله يأخذ بعين الإعتبار “حكي” الناس وجعلها حاجة مطلوبة. وقد عالج الإنجيل حشرية الناس بالآية : “من منكم بلا خطيئة فليرمها بحجر”، وذلك لمواجهة شكّ الناس بعذرية البتول التي أنجبت نبيّ الله عيسى عليه السلام. وليس أمرًا غريبًا على الناس أن يطال الشكّ ثورة على الظلم والقهر والفساد، وهم الذين شكّكوا بنبوّة أنبياء أرسلهم الله لصلاح هذه الأمّة..”الشكّاكة”.

وقد انطلقت من مقولة ميخائيل نعيمة، ومررت بعرض “التشكيك” البشري برسالة نبوية، وبذلت جهدًا بهذا الموضوع، فقط لأني لا أحب الردّ “الصبياني” على المُشككين على متن وسائل التواصل الإجتماعي لتبرير بعض هفوات من أراهم ثائرين على النظام الطائفي وفساده في لبنان. وهنا لا يحقّ لي الحُكم على المشكّكين حيث من الوارد أن يكونوا على صواب، لكنّي أستطيع تشبيههم بالخفّاش الذي اختار الوقوف على الحياد في معركة بين الحيوانات والطيور، حيث كان ينتظر الفائز منهم ليظهر وجه الشبه معه:
فلو فازت الطيور بالمعركة، يقول: أنا طائر بجناحين
ولو فازت الحيوانات يقول: عندي مخالب وأسنان.
والخفّاش ليس مراهقًا… ولا حرباء!!!!

اقرأ أيضاً: الطائفية السياسية والمجتمع الأعمى – ناجي سعيد

المقالات المنشورة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الموقع