التضامن اللاعنفي.. ابتسامات المعتقلين تُضعف المُحتلين – ناجي سعيد

ابتسامة شابة فلسطينية وهي تعتقل على أيدي المحتل الإسرائيلي-وكالات

لايجب أن ينسينا التصعيد العسكري قضية “الحي”

سناك سوري-ناجي سعيد

تستغرقُ الرحلةُ خمسَ دقائق على متن وسائل التواصل الاجتماعي، لأخذِ فكرةٍ كاملة عن حجم التضامن مع مقاومة الفلسطينيين ضد غطرسة العدوّ الصهيوني، والتضامن في هذا الميدان (وسائل التواصل..) يُعتبر تضامنا غير رسميّ، أو إذا صحّ التعبير، فالمصطلح الذي أودّ استخدامه: تضامن شعبي افتراضي! فالشعوب على اختلاف انتماءاتها، لا يمكن منعها من التضامن مع أقدم قضيّة انسانيّة، حتّى لو كان هذا التضامن في العالم الافتراضي. وهذا أضعف الإيمان في التعاطي مع قضيّة فلسطين.

فمن الواضح والجليّ أنه كما ذكرت، عند تصفّحك الفايسبوك والتويتر والإنستغرام.. تقرأ “البوستات” التضامنيّة مع الشعب الفلسطيني، وتشاهد الصور التي تُظهر وحشيّة الصهاينة، وهم يعتقلون ابتسامات الشباب والأطفال. الابتسامات التي تخيف وتُضعف وحوشًا صمّوا آذانهم عن صوت هذه الابتسامات تصرخ: الأرض لنا.

قد تخرج أصواتًا سلبيّة لتنتقد المتضامنين مع فلسطين، بحجّة أنّ: يجب أن تتحرّكوا لأجل التضامن مع قضاياكم المحلّية!! المشكلة التي أراها، أنّ السلبيين لا يروا أن التضامن ممكن أن يصدر من الناس المقهورين. بمعنى إن كان لديّ قضية أناضل من أجلها، من قال أنّني لا يمكنني التضامن مع قضايا أخرى إنسانيّة أيضًا؟ فاجتماع قضيّتين لا يكون كمن يأكل “سمك ولبن”! فيمكن بالطبع التضامن مع فلسطين ومتابعة النضال في قضيّتك المُحقّة.

اقرأ أيضاً: الذات السعيدة – ناجي سعيد

ومن منظور لاعنفي فإنّ التضامن هو شكل من أشكال الرفض والضغط على الظالم لمناصرة قضايا المظلومين. فلو أنّ المناصرة تأخذ بعين الاعتبار سلّم أولويّات القضايا، لكنّها لا ترتّب الأولويّات زمنيًّا. فلو كنت أناصر قضيّة مُعيّنة، وطرأت الأحداث أن تُبرز قضيّة إنسانيّة ما، فلا يعني أن نهملها، ويمكننا طبعًا التضامن معها. ولو سألني أحدهم عن اللاعنف، لقلت له بالفمّ الملآن بأنّ اللاعنف لا شك يرفض الظلم والعنف الإسرائيلي، بل هو خيار مواجهة لكن أدواتها مختلفة، ولنصحته بقراءة كتاب جان ماري مولر عن استراتيجيات العمل اللاعنفي، أو نظريات جين شارب، وكذلك مؤلفات غاندي ومارتن لوثر كينغ وهما نتاج تجاربها اللاعنفية الناجحة.

بالتأكيد إن اللاعنف لا يُمكّنك أن تشهر وردةً بوجه بندقيّة. لا بل يحضّك اللاعنفُ على تشغيل عقلك لتفكّر بطريقة واستراتيجيّات تحفظ أرواح المقاومين وتنهك الخصم المجرم (الاحتلال الاسرائيلي). فاللاعنف حريص على سلامة الناس. وهو ليس فعلاً يقاوم مُضادّ لعنفٍ مقصود. بل اللاعنف هو ابتكار فعل مقابل فعل عنيف. ففي حياتك اليوميّة الشخصيّة قد تواجه فعل عنيف، وليس مطلوبًا أن تردّ بفعل عنيف مُماثل. لا بل يجب أن تُفكّر بفعل يُعطّل النتيجة المُرتقبة من الفاعل العنيف. فالمُعنِّف ينتظر بالتأكيد من المُعنَّف عنفًا مماثلاً لتستمر حلقة العنف.

ربطًا بالمقالات السابقة عن التوازن بين العقل والقلب، فَكِّر بعقلك بأن رفضك العاطفي المُحقّ للظلم والاحتلال، وكذلك التصعيد العسكري الحاصل حالياً في فلسطين المحتلة، لا يجب أن ينسينا القضية الأساسية التي سببت هذا التصعيد وهي قضية “حي الشيخ جراح” التي يجب أن تبقى كل الوقت في الواجهة وأن يناضل من أجلها بكل الطرق اللاعنفية محلياً وعالمياً.

إن نزع السياج الذي وضعه الإسرائيليّون استراتيجيّة لاعنفيّة، لكن لا تُحرّر فلسطين من غطرسة كيان مُسلّح. فهو انفعال تضامني مؤقّت، ينقصه تحرّك وطن عربي يلفظ الدول العربية المُتخاذلة، وهذا التحرّك يشمل مقاطعة كيان يحاول فرض وجوده من خلال خرق نفوس الدول الضعيفة، التي تهيمن على نفوس ابناء شعوبها لترفع التحيّة وتستسلم لكيان غاصب. المطلوب من الشعوب العربية كافّةً تقرير مصيرها دون هيمنة الأنظمة المُتخاذلة، كي لا تَصحّ مقولة ناجي العلي في كاريكاتيره المعروف: لا صلح، لا مفاوضات، لاجئين!!.

لا نريد اللجوء، وليس رفضُا لاحتواء القضيّة الفلسطينيةـ بل لإصرارنا على العودة، عودة فلسطين وحصولها على كامل التراب الفلسطيني، ومنعاً لأي التباس فإن خلاصة مانريد قوله الآن هو أن علينا كلاعنفيين أن نبقي قضية حي الشيخ جراح في التداول ونستمر في النضال من أجلها بطرقنا وأساليبنا، والنضال من أجلها هو نضال على طريق النضال من أجل كل فلسطين.

اقرأ أيضاً: توازن العقل والقلب للوصول إلى عالم لاعنفي – ناجي سعيد

المقالات المنشورة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الموقع