أرواد وابنتها عمريت… حاضر يذكرنا بالتاريخ

قضت “عمريت” على نفسها عندما ابتعدت عن أمها “أرواد”

سناك سوري – حسان يونس

على مسافة 7 كم إلى الجنوب من مدينة طرطوس تتوضع عمريت، وتتلاقح مع البحر كل مد وكل جزر، و(أمريت الكنعانية) أو (ماراتوس اليونانية) لا تزال تحافظ على بهائها الأسطوري رغم تقادم الزمن، وإذا سألنا حجارتها الرملية وخاصة تلك المحتشدة في معبد الينبوع ذو الماء المقدس نجد قصة مثيرة عن خراب عمريت الأول، وهي قصة يمكن الاستماع إلى ما يشبهها حالياً في بساتين الجزيرة السورية ونخيلها ورمالها.
في القرن (12 ق.م) وبعد سقوط “أوغاريت” على يد شعوب البحر ازدهرت أرواد، وأنجبت بناتها السبعة على الساحل السوري تاركة إياها تنمو تحت رعايتها فكانت بالتوس (عرب الملك) وبالانيا (بانياس) وكارنة (القرنين) واينيدرا (تل الغمقة) ومارتوس (عمريت) وماركوس (مراقيا) وسيميرا (تل كزل)، كانت كل هذه المراكز بنات أرواد التي استطاعت أن تحافظ بحكم موقعها على استقلال كلي أو جزئي عن الإمبراطوريات التي غزت سورية، سواء الأكادية أو البابلية أو الآشورية أو الفارسية أو المكدونية، حيث وقعت القصة التي لا تزال ترويها حجارة عمريت الرملية مع أمها أرواد.موقع سناك سوري.
خلال العصر الفارسي (539- 333 ق.م) أصبحت أرواد جزءاً من الإمبراطورية الأخمينية الفارسية، وغدت الولاية الخامسة، ونمت وازدهرت وضربت النقود الفضية باسمها وسمح لها بممارسة الحكم الذاتي، وشكّلت مركزاً رئيسياً للتجارة وسيطرت على الساحل الفينيقي الشمالي والجنوبي وباتجاه الداخل، وخلال عهد الإسكندر المكدوني في بداية القرن الرابع ق.م امتلكت الجزيرة جميع المناطق والأراضي الساحلية حتى البعيدة منها عن الساحل.
أما عمريت فكانت قد تأسست في العصر الأموري في الألف الثالث قبل الميلاد، إلا أن فترة ازدهارها كانت ما بين القرنين الثاني عشر والثالث عشر قبل الميلاد، وهو عصر ازدهار المدن الفينيقية وخاصة أرواد، واسم “عمريت” أو (أمريت) هو الاسم الكنعاني القديم، أما اسم (ماراتوس) فيعود إلى نهاية العام 333 ق.م في عهد الإسكندر المقدوني، وهو العهد الذي عرفت فيه عمريت ازدهاراً وغنى كبيراً، إلى جانب أمها أرواد التي تمتعت بحكم ذاتي وتمدد نفوذها، وخلال هذه الفترة أصبحت عمريت مدينة فينيقية كبرى غنية ضمن مملكة أرواد، كما أصبحت مقراً للاسكندر يتبادل منها رسائل المفاوضات مع داريوس ملك الفرس ويتابع منها عمليات جيشه ضد عاصمة الآراميين دمشق ويطّلع فيها على الغنائم التي نهبها جيشه من دمشق.
استمر نفوذ عمريت بالتوسع في عهد خلفاء الاسكندر من السلوقيين، وبدأت العلاقة بين أرواد وابنتها بالتأرجح، وفي عام 219 ق.م خرجت عمريت عن سيطرة أرواد، فأوقفت أرواد العمل في دور صك النقود في عمريت مدة 40 عام، وأصبحت العلاقة بين المدينتين النسيبتين تخضع للإدارة السلوقية، وفي عام 148 ق.م هاجم الأرواديون عمريت ودمروا أجزاء من المدينة التي خبت شعلتها، ثم عادت للاشتعال بشكل خافت في العهد الروماني حتى انطفأت تماماً في العهد البيزنطي.

اقرأ أيضاً ثلاث تحولات كبرى في تاريخ سوريا – حسان يونس

المقالات المنشورة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الموقع