سوريا الغاضبة… تجارة الوهم لا تبيع المحروقات
مواكب تمر فوق خط الفقر الذي يعيش تحته المواطن فلا تراه

تملأ الاحتجاجات عشرات الساحات والشوارع في البلاد رفضاً لرفع أسعار المحروقات أو هكذا تبدو لكنها في العمق تعبر عن الإحباط وخيبة الأمل من تركيز الحكومة على المظاهر وتجارة الوهم المستمرة.
سناك سوري – بلال سليطين
في كانون الثاني من العام 2026 كانت السردية الحكومية تضع استعادة السيطرة على الجزيرة السورية وحقول النفط في سياق الاقتصاد والرخاء المعيشي، فيقول وزير المالية محمد يسر برنية آنذاك إنها خطوة بالغة الأهمية على المستويين الاقتصادي والمالي، ولها انعكاس على الموارد المالية للدولة، وعلى الموازنة العامة والخطط التمويلية للمشاريع وإعادة الإعمار.
بينما وصف حاكم مصرف سوريا المركزي آنذاك “عبد القادر حصرية” استعادة الحقول بأنها خطوة ستمكّن المصرف من تمويل احتياجات استيراد البلاد بشكل منظم ومؤسسي واستعادة أدواته في إدارة السياسة النقدية والقطع الأجنبي.
أما على مستوى المؤثرين وقادة الرأي المرتبطين بالحكومة والداعمين لها فقد ذهبوا بعيداً في توظيف الحدث بأنه بداية طريق الرخاء والنعم على السوريين، ولم يتمكن لا الطرف الرسمي ولا من يحملون السرديات من تركيز الحدث في سياق سياسي عسكري اجتماعي دون مبالغات اقتصادية وإعطاء جرعة تفاؤل مفرطة للناس سترتد عليهم لاحقاً.
فأي مواطن عادي يستمع لتصريحات الحكومة ويشاهد فيديوهات وآراء المؤثرين سيأخذ جرعة مفرطة من التفاؤل والأمل، وسينتظر من الحكومة تحول هذه المعطيات إلى إنجازات ملموسة يمكنه أن يشعر بها على أرض الواقع، بل إن المواطن يذهب أبعد من ذلك في انتظار انخفاض أسعار المحروقات مع مرور الوقت وليس ارتفاعها.
خصوصاً أن المواطن بدأ يلحظ انعكاس تغير الوضع على المسؤولين في الدولة عبر شرائهم أحدث السيارات التي تستهلك براميل من المازوت والبنزين كل شهر في دليل واضح على الرخاء والنعم، وعبر مواكبهم الطويلة التي تسير فوق خط الفقر الذي يعيش تحته المواطن فلا تراه، وعن الاحتفالات المكررة والمبالغ فيها من حفظ طالب لدروسه إلى تخرج مسؤول من جامعة إلى نجاح عنصر في دورة.
الناس لن تصدق خطاب التقشف ما دام المسؤول يطلب منها أن تشد الحزام، بينما هو يوسّع موكبه
حتى إن مدير مؤسسة مياه حكومية استلم قبل أيام سيارة ميتسوبيشي جيب سوداء موديل 2026. ولو أراد أن يملأ خزانها بالمياه، فلن تكفي مياه مؤسسته لذلك شهرياً، وسيعطش نصف العاملين فيها. فكيف بالمحروقات.
بالمقابل عندما تقرر الحكومة رفع أسعار أي شيء من خبز إلى محروقات فإنها لا تجد حرجاً في الحديث عن مرحلة تاريخية وظروف معقدة تمر بها البلاد وحاجة للتقشف والصبر والصمود والتصدي وغيرها من مصطلحات شبع المواطن من سماع المسؤولين يقولونها ولا يرون فيهم قدوة بالالتزام بها وتطبيقها وأن يكونوا مثلاً أعلى لها.
فسوريا الغاضبة اليوم ليست غاضبة من رفع أسعار محروقات فقط، بل هي غاضبة من تجارة وهم لا تملأ خزانات وقودهم ولا مدافئهم، ومن مسؤولين يطالبون المواطنين بما لا يفعلونه، حتى بات بعض المسؤولين مشغولون بلعب دور الرئيس الفخري لجمعية أو نادٍ، حاله حال رجال الأعمال، أكثر مما هو مشغول بالإنجاز في وظيفته ومهمته الحكومية.
وامتصاص غضب المواطن ومنع تفجر الأوضاع حالياً ومستقبلاً لن يكون من دون أن يرى السوريون أن المسؤولين يعيشون مثلهم ويكافحون معهم من أجل حياة أفضل لكل السوريين وليس من أجل رخائهم الشخصي وراحتهم وسياراتهم وفخامتهم.
رفع أسعار المحروقات يشعل الاحتجاجات .. متظاهرون يطالبون بإسقاط وزير الطاقة








