يعيشون بين القبور ويخشون فقدان بيوتهم.. حكاية مقامات الصالحية
ضريح في المطبخ و وليّ في الاستقبال .. أغرب بيوت دمشق

في بيوتٍ معينة ضمن حي الصالحية بدمشق، تتوسط القبور غرف الجلوس، حيث يشرب ساكنو تلك المنازل شاي الصباح، وينشرون غسيلهم بمحاذاة أضرحة عمرها مئات السنين، تقدم جدران حارات الحي إجابة عملية عن كيفية تحول مقام أثري إلى غرفة معيشة، فمع مرور العقود، أصبحت عشرات المعالم التاريخية مجرد بيوت عائلية ضمن نسيج عمراني يحمل قصة نشأة خاصة.
سناك سوري _ هبة الكل
يمتد حي “الصالحية” على سفوح جبل قاسيون، من “ركن الدين” شرقاً حتى “العفيف” غرباً، ولم يتشكل كتوسع طبيعي لدمشق، بل نشأ استجابة لحالة لجوء في منتصف القرن الثاني عشر الميلادي، إثر هجرة عائلات المقادسة من فلسطين هرباً من الغزو الصليبي، لم يستقر هؤلاء في قاسيون مباشرة، بل نزلوا أولاً قرب مسجد “أبي صالح” في منطقة باب شرقي، وعُرفوا بـ “الصالحين”. ولاحقاً، انتقلوا إلى الجبل، وأخذت المنطقة اسم “الصالحية” لكثرة مجالسهم فيها.
اليوم، تبدل المشهد تماماً، زحف البناء الحديث بشراهة على المعالم التي تركها العهدان الأيوبي والمملوكي، واختفت الملامح الأثرية بين الأبنية السكنية الجديدة، حتى صار من الصعب على المارّ في الشارع أن يفرق بين جدار أثري عتيق، وحائط بيت عادي ينبض بالحياة اليومية.
أين يسكن الفقراء؟.. رحلة من التنازلات بحثاً عن منزل _ محمد العمر
ضريح في المطبخ
في قلب هذا التداخل العمراني والتاريخي، وصلت إلى زقاق “المسكي”. يقع هذا الزقاق بين معالم بارزة: المدرسة العمرية شمالاً، ومسجد “البظنة” غرباً. ومن الشرق، تبرز مئذنة “جامع الحنابلة”، أول مسجد بُني في الحي، وثاني أكبر جوامع دمشق بعد الجامع الأموي، والذي يشبهه في تصميم الباحة وقاعة الصلاة. لا يزال العديد من السكان يسمونه “الجامع المظفري” (وهي أقدم تسمياته) نسبة للأمير “مظفر الدين كوكبوري” الذي أتم بناءه، بينما يسميه البعض “جامع الجبل” كونه الجامع الكبير الوحيد في قاسيون، أو “جامع الصالحين” نسبة للحي ومؤسسيه.
عند مدخل الزقاق، تبرز لوحة زرقاء تحمل اسم “جادة المسكي”، تنسب اللافتة المكان بوضوح إلى الشيخ محمد المسكي، الذي تروي الحكايات الشعبية أن رائحة المسك كانت تفوح منه لشدة عفته. لكن بمجرد صعود الزقاق للبحث عن مقامه أو مدرسته، تبدأ المفارقة، فلا توجد أي لافتة أخرى أو دلالة بصرية ترشدك إلى وجود أثر فعلي للشيخ.

تجد نفسك أمام جدران ابتلعت يوميات الناس تفاصيلها، لا أثر للمسكي هنا، بل نافذة أثرية مغلقة تُعلق عليها اليوم نعوات الموتى، وإلى جانبها سبيل ماء نُقش عليه عام 1353 هجرية، يجاوره باب أسود كبير، ربما أكون أمام مقام المسكي.
أطرق الباب الأسود، فلا مجيب. يبقى الباب مغلقاً حتى يخرج خادم الجامع المجاور، ليخبرني أن خلف هذا الباب الموصد ضريحين، قد يكون أحدهما للشيخ محمد المسكي. الكلام العابر لخادم جامع الظفيري، دفعني في اليوم التالي للعودة إلى الباب ذاته بحثاً عن اليقين.
في اليوم التالي، أعود وأستمر في طرق الباب. بعد ربع ساعة من الانتظار، يُفتح الباب جزئياً، ليطل وجه امرأة تبقي جسدها متحصناً بالداخل. أطرح عليها السؤال مباشرة: “هل هنا مقام المسكي؟”. تجيبني بنبرة متوجسة، موضحة أن هذا المنزل أثري، والدخول إليه يتطلب موافقة رسمية.
بدأنا على العتبة حديثاً عن المنزل، فأخبرتني أنها ليست من ملاكه الأصليين، بل هي عائلة مستأجرة من وزارة الأوقاف، متجنبةً في الوقت ذاته تأكيد أو نفي وجود المقام. وبعد دقائق من الحديث ومحاولة كسر حاجز الحذر، سمحت لي بالدخول.

بمجرد عبوري الباب، استقبلتني فسحة سماوية تتوزع حولها ثلاث غرف. المكان لا يوحي للوهلة الأولى بأكثر من بيت دمشقي قديم أرهقته السنين، لكن الغرابة تبدأ بالتكشف حين تقودني المرأة، واسمها شريفة، في تفاصيل المكان.
دمشق: المنزل بمليار ليرة والقبر بـ250 ألف.. كل واحد يشتري على قد مصرياتو
تشير بيدها إلى جهة اليمين، نحو كتلة حجرية بلون أغمق من الجدران المحيطة بها. هنا أدركت أخيراً مكان القبر الذي أبحث عنه، والذي يتوسط المساحة المعيشية التي يمارس أهل البيت حياتهم حولها. تقول شريفة بصوت خافت: «هاد قبر المسكي»، ثم تستدرك بحذر كمن يخشى عواقب اليقين: «بس هالشي مو ثابت». وفي لحظة عكست رهبة مبطنة تجاه المكان وما يخبئه، طلبت مني “التسمية” (قول بسم الله) وكأننا في حضرة شيء يتجاوز مجرد الحجارة.
يقطع هذا المشهد المليء بالرهبة نزول شقيقها “أبو زيد” من غرفة علوية على سطح المنزل ليتسلم دفة الحديث. بالنسبة لأبي زيد، فإن تحول هذا المكان الأثري إلى مدرسة ومقام، هو حقيقة استقرت لديهم بالتواتر الشفهي. يروي لي كيف تقيم عائلته بين هذه الجدران منذ نزوحها من الجولان السوري عام 1967.
يتحدث عن المكان كبيت عادي تماماً، استوعب في فترة من الفترات رقماً يثير الدهشة؛ نحو خمسين شخصاً! حينها، أقامت ثلاث من زوجات والده الست مع أولادهن في غرف هذا المجمع الأثري، وتقاسمن المكان مع المقام.
لكن هذا السيناريو تغير لاحقاً؛ إذ يوضح أبو زيد أن وزارة الأوقاف طالبتهم قبل سنوات بدفع أجرة عن المساحة التي يشغلها المقام ضمن المنزل، ليتحول سكنهم إلى عقد إيجار.

أكثر ما يثير الدهشة في هذا المنزل ليس وجود الضريح بحد ذاته، بل حالة التطبيع المطلقة معه. لا تتعامل الأسرة مع القبر في حياتها اليومية بأي استغراب، وكأنه جزء اعتيادي من المشهد. يختصر أبو زيد هذه العلاقة العجيبة قائلاً ببرود تام: “متعودين عليه… كأنه ما له موجود.. هون ممكن تشوفي قبور جوات غرف النوم مثل جيرانا، ومو شرط يعرفوا مين صاحبه.. تعودت الناس على وجودهن”.
يتحدث عن الأضرحة وكأنها قطعة أثاث منسية خرجت عن الاستعمال. هنا أدركت أن الاعتياد البشري، كما يبدو في هذا المنزل، هو الوسيلة الوحيدة لحفظ المسافة الآمنة بين ضجيج الحياة اليومية، وصمت الموتى الممددين بين غرف الجلوس.

وليّ في الاستقبال
أخرج من مدرسة المسكي، وأكمل مسيري صعوداً في الزقاق المائل. تتباطأ خطواتي وأنا أتأمل المشهد أمامي، يتوسط جداراً حجرياً عتيقاً بابٌ أسود، تقود إليه ثلاث درجات تآكلت حوافها بفعل السنين. إلى جانبه، لا يزال أثر لسبيل ماء قديم جف نبضه، أقترب منه بخطوات وئيدة، وأميل برأسي محاولةً فك طلاسم النقش الباهت المتبقي عليه.
وفي غمرة هذا السكون، وبحركة بطيئة تحدث صريراً خافتاً، ينفتح الباب الأسود. يطل منه رجل ستيني يحمل مكنسته، ويبدأ بكنس العتبة بهدوء تام. إنه “أبو النور المنعم”. يرفع بصره إليّ، وقبل أن أبادر بالسؤال، يرمي لي بمعلومة مقتضبة بدت وكأنها إشهار ملكية أو درع استباقي: “نحن هون موجودين من 120 سنة”. نطقها بثبات وصرامة، كمن يريد أن يحسم أحقيته وجذوره في هذا المنزل، ويغلق الطريق أمام أي شكوك قد يحملها شخص غريب يقف أمامه.
أتجاوز رسالته المبطنة، وأشير بيدي إلى النقوش والحفر الأثرية التي تظهر بوضوح على الجدران الخارجية، لأسأله عما يخبئه هذا البيت المتمترس خلف التاريخ. يتوقف عن الكنس للحظة، ويجيبني بعبارة تعيدني مجدداً إلى الغرابة ذاتها: “جوا عنا مقام لولي اسمه عبد الرحمن المملوكي”.

يدعوني إلى الداخل. أخطو العتبة، لتصفعني رائحة تسبق المكان؛ مزيج يعبق بالرطوبة، فضلات القطط، وهواء ثقيل راكد كأنه محبوس منذ عقود. أتابع السير خلفه بحذر في مدخل ضيق يثير الانقباض، بالكاد يتسع لمرور شخص واحد، وكأن الجدران تتقارب لتخفي ما وراءها. على يسار هذا الممر المعتم، تلوح فتحة غائرة في الجدار. أجتازها ببطء، ليصطدم بصري بمشهد يبعث رهبة باردة؛ ثلاثة أضرحة حجرية منقوشة تستحوذ على المكان، وتستلقي بصمت في صميم المساحة المعيشية لأبي النور وأخته وأبنائها.
هنا، لا توجد مسافة فاصلة بين عالمين. تتداخل الكتل الحجرية الباردة للأضرحة مع تفاصيل السكن المزدحم، حيث تتوزع الأغراض المنزلية البسيطة وحاجيات العائلة في الهوامش الضيقة المتبقية من الغرفة. يتحرك أفراد العائلة في هذا الحيز المخنوق، يمارسون يومياتهم، ويتنفسون هواءهم الثقيل بمحاذاة القبور تماماً، وكأن هذه الشواهد استحالت مع مرور الزمن إلى مجرد كتل صامتة من بنية المنزل، ابتلعتها دورة الحياة المعتادة. لا توجد أي لوحة تعريفية توثق هوية الأثر، ولا مزار يخبر العابرين في الخارج بوجوده. مجرد قبور تتوارى بصمت تام خلف جدران أخفت سرها، وشاركت ساكنيها ضيق المكان.
مع مرور الزمن، لم تعد هذه القبور مجرد كتل حجرية باردة تضيق بها مساحات السكن، بل نشأت بين الأهالي والأضرحة علاقة تعايش فريدة، تتجلى بوضوح في أحاديثهم اليومية التي تضفي هالة من القدسية على المكان. بالنسبة لأبي النور، وجود الأضرحة في منزله ليس عبئاً بل “حالة روحانية”. يروي بنبرة هادئة كيف لمح ذات صباح رجلاً يرتدي الأبيض يصعد درج المنزل، ليصفه قائلاً: “هيك شي متل الملائكة”. لم يتبادل معه الحديث، لكن هذه الحادثة، وما يستشعره من روحانية، جعلته يحسم أمره بعدم التفكير يوماً في بيع البيت.

طوافون متنقلون
رواية أبي النور عن الرجل ذي الرداء الأبيض ليست استثناءً في حي الصالحية؛ بل هي جزء من سردية شعبية متجذرة تتمحور حول ما يطلقون عليه محلياً اسم “الطوّافون”. يحدثني عبد الغني الحلبي، أحد خدام جامع الحنابلة، عن بيوت كثيرة تخفي مقامات بين جدرانها، ويروي عن منزل لأقاربه يضم ثلاثة قبور؛ أحدها في صحن الدار واثنان داخل الغرف. هناك أيضاً، تتناقل العائلة قصصاً عن رؤية رجال بملابس بيضاء وقت صلاة الفجر يعتقدون أنهم من الأولياء. لا يقدم عبد الغني هذه الحكايات كحقائق موثقة، بل كروايات شفهية توارثتها العائلات لنسج ألفة مع سكون الموتى والتعايش معهم.
تتسع هذه السردية لتشمل الحي بأكمله. فمن دكانه الصغير، يتحدث أبو كاظم الساس عن وجود نحو 450 ولياً في الصالحية، ومقامات بأسماء تاريخية، كأسد الدين والذهبي، وحتى مقام يُعتقد شعبياً أنه للنبي يونس. في المخيلة المحلية، ينتقل هؤلاء “الطوّافون” بين “البيوتات الصالحة”، إلى درجة دفعت الأهالي قديماً، بحسب أبي كاظم، لخلع أحذيتهم عند “بوابة الصالحية” احتراماً لرمزية المكان وقدسيته. تتقاطع هذه السردية مع حديث إمام جامع الشركسية، الذي يؤكد وجود أضرحة داخل البيوت، لكنه يربط إمكانية رؤية “الطوّافين” بالحال الروحية للناظر.
أمكنة بلا وظيفة
أواصل طريقي، مدفوعة بهذا التداخل العجيب بين الحجر والبشر، وأتجاوز زحام جامع الشيخ محي الدين، لتلوح أمامي قبة تربة سيف الدين القيمري. أبحث عن مدخل للمقام، فلا أجد سوى جدران حاصرتها بسطات الخضار ومخلفات الباعة، وكأن دورة الحياة اليومية قد التهمت طبقات الذاكرة بالكامل. أحاول تتبع أي منفذ آخر، ليوضح لي أحد المتواجدين في المكان، أن العائلة تقطن في الجهة الخلفية للمنزل أوصدت الأبواب في وجه الجميع.

أترك الباب الموصد خلفي، وأتابع المسير نحو جادة التغالبة وشارع المدارس. هنا، تتناثر الشواهد التاريخية بعبثية لافتة؛ قبة تبرز بين البيوت، مئذنة تطل من زاوية ضيقة، ومتجر ألبسة ابتلع تماماً واجهة مبنى تاريخي. أمر بالمدرسة “الجهاركسية” التي لم يتبق منها سوى أجزاء متصلة بالمصلى، لأصل بعدها إلى التربة “التكريتية”، التي بدت استثناءً وحيداً بواجهتها المرممة والمشرعة للزوار.
وفي الجهة المقابلة، يستمر شريط المعالم الأثرية المتهالكة بالمرور دار الحديث الأشرفية البرانية، قبة المدرسة المرشدية، والزاوية الفريثية. تقف هذه المباني اليوم صامتة بعد أن فقدت مبرر وجودها؛ فالزاوية مغلقة، والمدرسة هجرها طلابها، وعائلة أم علاء موجودة هنا منذ قرابة خمسين عاماً: “ “ نحن هون ما عنا مقامات… ولا شي أثري جوا… بس يلي على الحيط من برا هاد الأثري”. تظهر نبرتها دفاعاً عن مأوى، فبالنسبة لها داخل المكان مسكن، أما خارجه من قوس ونقش فهو الأثر، بقي المكان لكن وظيفته الأصلية اندثرت.
أثر متنازع عليه
بعد خطوات قليلة في استكمال هذه الجولة، تلوح أمامي قبة بيضاء مغبرة، يربض أسفلها باب مغلق. أطرق الباب، لتستقبلني امرأة وتدخلني، لتخبرني أنني الآن وأنا عندها في تربة النبي يونس.
كيف تحولت مقبرة تاريخية ومقام إلى منزل عائلي؟ تروي لي السيدة حكاية زحف البناء البطيء على المكان. كان الموقع قديماً مجرد بناء بسيط يتوسط البساتين، لكن مع تعاقب الأيام وتوسع العائلة، بدأ التمدد. كلما تزوج أحد الأبناء، اقتطع مساحة وأضاف غرفة جديدة، حتى تشابكت الجدران الحديثة مع الحجارة القديمة، وابتلع البيت ملامح التربة بالكامل.
تقودني أم جهاد في أروقة المنزل حتى نصل إلى الغرف الأحدث بناءً، والتي شُيدت، للمفارقة، تحت القبة مباشرة. هنا، تروي تفصيلاً يجسد طبيعة علاقة السكان بهذا النوع من الأماكن؛ فحين بدأ العمال حفر الأساسات في هذه البقعة، هبطت الأرض فجأة وكشفت عن تجويف عميق ابتلع كل ما رُمي فيه من ردم. يومها، أوقف الجد الأكبر العمل بحزم، معللاً ذلك بوجود “ولي” في الأسفل يجب ألا تُنتهك عزلته.
هكذا، اكتفت العائلة بوقف الحفر، لينتهي الأمر بصيغة انقسم فيها الموقع إلى ما يشبه الطابقين: طابق علوي يضج بحركة الأحياء ويومياتهم، وطابق سفلي مغيب يضم ساكنيه القدامى بصمت، رسخت هذه القاعدة تأقلماً هادئاً مع فكرة مشاركة المكان؛ يمارسون حياتهم في الأعلى، تاركين للأسفل سكانه وتاريخه، وقبة أثرية آلت إلى ملكهم الخاص.

ماذا يقولون؟
هذا التعايش المكاني يفتح الباب أمام واقع قانوني واقتصادي شائك؛ فهذه الأبنية الأثرية، بمقاماتها وتاريخها، تعود ملكيتها الخالصة لوزارة الأوقاف. وما العائلات التي تقطنها سوى مستأجرين يدفعون ثمن الإيواء، حتى وإن امتدت إقامتهم وتجذرهم بين جدرانها لأكثر من نصف قرن. وبحسب أحاديث الأهالي، وبعد سقوط النظام والتبدلات التي عصفت بالبلاد، رفعت وزارة الأوقاف أجور تلك المنازل؛ إذ تحول متوسط بدل الإيجار الذي كان يُدفع بالعملة المحلية ويبلغ نحو 700 ألف ليرة سورية، ما يقارب 50 دولار ليُسعّر فجأة بالعملة الأجنبية، قافزاً إلى نحو 800 دولار أمريكي.
يتعامل السكان مع هذه الأماكن كبيوت عادية؛ يدفعون إيجاراتهم، ويتوارثون الإقامة فيها، لكن بعيداً عن يومياتهم، تقول السجلات الرسمية شيئاً آخر؛ فهذه الجدران ليست عقارات سكنية، بل أوقاف تاريخية لا يجوز استثمارها كبيوت.
الدكتور معتز السبيني، المستشار التاريخي في وزارة الأوقاف، الذي لم يتردد في توصيف الواقع بعبارة قاطعة، معتبراً أن معظم السكان اليوم هم “غاصبون ومنتهكون لحرمة هذه المعالم”. يوضح السبيني أن هذه الأمكنة لم تكن يوماً بيوتاً للسكن، بل شُيدت كمنظومة معمارية دقيقة تفصل بين مساحات الحياة والموت؛ حيث ضمت حجرات مستقلة للمدارس، ومساكن لطلاب العلم، ومصليات صغيرة، إلى جانب غرف منفصلة ومغلقة تضم قبور الواقفين.
لكن ما حدث عبر الزمن، أن الزحف العمراني دفعا الناس للسكن حول هذه الأضرحة، لتبدأ بعدها عملية التعدي التدريجي على المساحات الوقفية. يضرب السبيني أمثلة صادمة على هذا التشويه؛ ففي التربة “الدوباجية”، ابتلع السكن العشوائي معالم المدرسة والمسجد، وانتهى المطاف بقبر الواقف ليصبح مجرد زاوية داخل مطبخ العائلة. أما في التربة “الكنجية”، فقد اتخذ التعدي طابعاً أعنف، حيث كان الجد الأول للساكنين يواجه مسؤولي الأوقاف بإشهار مسدسه لترهيبهم، دفاعاً عن مكان توهم أنه إرث أجداده.
لكن كيف اكتسبت هذه التعديات غطاءً قانونياً وحوّلت المعالم العامة إلى أملاك خاصة؟ يعيد المستشار التاريخي جذور هذه الظاهرة إلى فترة الانتداب الفرنسي، وتحديداً خلال عمليات الإحصاء العقاري التي جرت بين عامي 1930 و1931.
في تلك الأيام، كانت لجان الإحصاء برفقة المختار تطرق أبواب الساكنين وتسألهم عن أوراقهم، فيتحجج هؤلاء بفقدان سندات الملكية. وبحسب القوانين حينها، كان يكفي مرور سبع سنوات دون أن يتقدم أحد باعتراض، لتقوم السلطات بمنح الساكنين “ورقة خضراء” تثبت ملكيتهم للعقار كأمر واقع، لتضيع بذلك معالم وتاريخ أحياء بأكملها تحت وطأة الزمن والتعديات.
أغادر جزءاً من أزقة الصالحية، هنا، لا تعني القبور الملاصقة لغرف الجلوس أكثر من جدران تسند سقفاً يأوي هذه العائلات، ورغم أن الأهالي يتبادلون قصص “الطوافين” والأولياء ليتآلفوا مع فكرة النوم وشرب الشاي على مسافة متر واحد أو أقل من ضريح، إلا أن الرعب الفعلي الذي يسكن هذه البيوت لا علاقة له بمن دُفن فيها.

الخوف الحقيقي الذي يظهر في عيون السكان مع كل طرقة باب، هو خوف من مالك القبر، لا من صاحبه، يرتعبون من فكرة أن يكون الطارق مندوباً أو لجنة من وزارة الأوقاف، جاءت لتخلي البيت وتطرحهم في الشارع بحجة استرداد الأوقاف التابعة لهذه الأضرحة.
لذلك يتهربون من الإجابات، ويخفون إيصالات الدفع، وينظرون بريبة لكل غريب. هؤلاء لا يحرسون أثراً، بل يحرسون بيوتهم. يستميتون للبقاء تحت هذا السقف بأي ثمن، في حياة يومية لا يخيفهم فيها الميت المدفون في الصالون، بقدر ما ترعبهم فكرة العثور على أنفسهم بلا مأوى.
هذه المادة هي نتاج ورشة صحفية مشتركة لشبكات الإعلام والصحافة التعاونية في سوريا، نظمتها مؤسسة MiCT الإعلامية بالتعاون مع 12 مؤسسة إعلامية سورية مستقلة.













