أخر الأخبارالرئيسيةفن

نماذج اليسار السوري في أعمال ممدوح حمادة .. المخذول والحالم والمتشبث

من مشاريع صغيرة إلى ضيعة ضايعة والخربة .. كيف ظهر اليساري في أعمال ممدوح حمادة

شارك الكاتب السوري “ممدوح حمادة” في أعماله التي تحوّلت إلى مسلسلات تلفزيونية، شخصية اليساري السوري بأنماطٍ مختلفة تتراوح بين الخذلان والحلم والتشبث، بدءاً من “مشاريع صغيرة” مروراً بـ”ضيعة ضايعة” ووصولاً إلى “الخربة”.

سناك سوري _ محمد العمر

في العام 2006 تم عرض مسلسل “مشاريع صغيرة” للمرة الأولى، ليضاف إلى قائمة أعمال “ممدوح حمادة” التي خلطت بين الكوميديا والواقعية، فالرجل المنحدر من “الجولان المحتل” وجد نفسه في كتابة السيناريو رغم دراسته للصحافة في “بيلاروسيا” التي كانت جزءاً من الاتحاد السوفييتي حين كان رمزاً لليسار والاشتراكية حول العالم.

ممدوح حمادة يحذر من تكرار أخطاء التاريخ في سوريا

عاصي .. اليساري المخذول

قدّم “حمادة” في مسلسل “مشاريع صغيرة” شخصية “عاصي” التي لعبها “سلوم حداد”، بأنها مناضل سابق، كان يوماً ما شاباً يسارياً حالماً يتطلع إلى الاشتراكية كوصفةٍ سحرية للعدالة في الأرض وإنهاء الفوارق الطبقية، لكنه اصطدم لاحقاً بخسارة التجربة حينما انهار السوفييت، وتحوّل إلى يساري مخذول تقيّده رواسب مبادئه السابقة عن مجاراة الواقع الذي بات مليئاً بالخداع والغش في سبيل المال.

“عاصي” الذي حافظ على نزاهته، لم يقبل الزواج بشابة من عائلة ثرية ورفض اتهام والدها له بالطمع، ثم عاد في آخر المسلسل إلى خطيبته السابقة التي تشبهه في المستوى الطبقي والاجتماعي مستخدماً عبارة “اللي بياخد من غير ملتو بيموت بعلتو”، ليظهر العمل وكأنه يقول أن خدعة المساواة الاشتراكية لم تعد تنطلي على أحد في زمن استهلاكي يحكمه رأس المال، إذ بات من المستحيل أن يرتبط “عاصي” الفقير بـ”سوسن” الثرية وعليه القبول والرضا بـ”ليلى” الفقيرة التي تشبهه.

ممدوح حمادة يثير موضوع العنف بالدراما: لا يحمل إلا غايات نرجسية

سلنغو .. اليساري الحالم

بعد عامين، وبحلول 2008 تم عرض الجزء الأول من مسلسل “ضيعة ضايعة” الذي أحدث نقلةً في الكوميديا السورية لناحية جرأته على التجربة، حين استخدم لهجة ساحلية اخترقت الاعتياد على اللهجة الشامية التي هيمنت على الدراما ولم يجرؤ كثيرون على الخروج منها.

وفي “أم الطنافس الفوقا” لم يكن “حمادة” لينسَ شخصية اليساري القروي التي جسّدها في “سلنغو” ولعبها “فادي صبيح”، حيث أظهره كمثقف يدهش أهل قريته بعلمه، رغم أنه حقيقةً لم ينجح في اجتياز امتحان البكالوريا، إلا أن تلاعبه بالكلام أقنعهم بأنه طالب في كلية الحقوق وسيصبح محامياً بعد حين.

كان “سلنغو” مثقفاً مشتبكاً، يعشق “عفوفة” فيمنعه عنها والدها “المختار البيسة”، فلا يجد ما يردّ عليه به سوى أن يصفه بـ”سليل الإقطاع”، وأن يتحدث لحبيبته عن الثورة والغد الحالم بالمساواة والعدالة الاجتماعية، حيث يمكن لشاب فقير أن يتزوج محبوبته دون حسابات طبقية، إلا أن تشبثه بتلك الأحلام سيخذله طوال حلقات المسلسل ولن يقبل المختار بتزويجه إلا في الحلقة الأخيرة حين يصاب كل سكان القرية بتسمم كيماوي.

جميل وملحم .. اليسار المتشبث

في عام 2011، ومع أوج الربيع العربي، كان “ممدوح حمادة” يقدّم تجربته الجديدة عبر مسلسل “الخربة” الذي كرّر فيه الخروج عن لهجة العاصمة، وقدّم للمرة الأولى مسلسلاً كاملاً بلهجة أهالي “السويداء”.

وحّدتهم السجون وفرّقتهم الحرية .. كيف انقسم السوريون بعد سقوط النظام؟

ووسط صراع عائلتين في قرية منسيّة مثل “الخربة”، وضع “حمادة” شخصيتي “جميل بوقعقور” جسّدها “ممدوح الأطرش” و”ملحم بو مالحة” التي جسّدها “مشهور خيزران” كرفيقين في النضال اليساري، حيث لا يعرفان عدواً سوى الإمبريالية والبرجوازية والإقطاع.

يكشف العمل وجهان للرفيقين اليساريين، الأول أنهما متشبثان بالصلات الرفاقية التي تمنعهما من الخوض في الخلافات العائلية، حيث يؤكدان على ضرورة توحّد العائلتين في وجه العدو الامبريالي وأنهما يقفان في صفّ واحد رغم اختلاف انتمائهما العائلي بوجه التفرقة التي صنعها الاستعمار والبرجوازية، لكن الوجه الثاني أن الرفيقين يخضعان كليّاً لتوجيهات حزبهما دون فهمٍ أو نقاش في أوامر قيادة الحزب، حيث يستعين “ملحم” بابنه الجامعيّ لشرح المصطلحات التي تستخدمها جريدة الحزب، بينما ينتهي المطاف بـ”جميل” بالانشقاق عن حزبه بعد صدمته بانتهازية القيادة، إلا أنه يحاول تشكيل حزب جديد انطلاقاً من أنه لا يستطيع العيش بدون حزب.

ثلاث نماذج قدّمها “ممدوح حمادة” يمكنها ولو جزئياً تلخيص تجربة كثيرين من اليسار السوري، تحوّلوا إما لمخذولين أو حالمين واهمين أو متشبثين بماضٍ اهترأ حتى أصبحوا شبه مجانين في عوالم موازية للواقع، بينما كان العالم يتطور ويطوّر نظرياته وأفكاره بما فيه نظرته عن اليسار والاشتراكية، فما كان يصلح في الستينيات من القرن العشرين، لم يعد صالحاً في القرن 21 وعصر الذكاء الاصطناعي، الأمر الذي يظهر بوضوح في اجتماعات حديثة لأحزاب يسارية سورية تاريخية، لا يحضرها إلا مجموعة من الرجال الذين غزا الشيب شعرهم وغاب عنها جيل الشباب الذي لم يعرف عن اليسار سوى صورته المخذولة.

زر الذهاب إلى الأعلى