درعا: نموذج اللاحل..وإعادة إنتاج العنف

العنف والنظرة الأمنية له… انتصار مؤقت

سناك سوري – بلال سليطين

تقدم “درعا” نموذجاً سيئاً وواقعياً عن سوريا المستقبل، أو سوريا مابعد انتهاء الشكل التقليدي للحرب فيها، وتزداد سوداوية النموذج لكون “درعا” خرجت خارج إطار الحرب بشكلها العلني (قوات واضحة في مواجهة قوات واضحة) إلى حرب يمكن وصفها بحرب الاستنزاف التي تولد “اللاحل”.
درعا التي شكلت الشرارة الأولى للصراع المسلح الذي شهدته البلاد منذ عام 2011، إما أن تكون أيضاً بداية إخماده وإما أن تستمر في توليده بأشكال مختلفة انطلاقا ًمن عوامل عديدة أبرزها “رمزيتها” عند طرف و”حساسيتها” عند طرف آخر، وهذا مايجعلها تثير أعلى درجات القلق والخوف من واقعها الحالي وعلى مستقبلها ومستقبل البلاد، فهي بما تشهده منذ التسوية فيها تكشف عن تحديات عدة تواجه البلاد عموماً أبرزها “تحدي استمرار العنف”.
ينظر للعنف في سوريا من زاوية “أمنية” فقط، وبالتالي يتم التعامل مع علاجه أمنياً فقط، ولا توحي مجريات الأحداث أن هناك نظرة له على أنه نتيجة لجملة مسببات، وبغض النظر عن هذه المسببات التي قد تكون سياسية أو انتقامية، أو أنها محط خلاف أو اتفاق على صوابيتها، لكنها تبقى مسببات أو الجذر الرئيسي للعنف، وتجاهلها يعني استحالة إيجاد حل لها، والاعتراف بها ومحاولة التعامل معها يشكلان بداية الطريق لإنهاء العنف في البلاد عموماً وفي كل منطقة بشكل خاص حسب خصوصية المسببات فيها.
إن تفكيك بنية العنف يعد أبرز التحديات التي تواجهها البلاد، فالعنف يحظى بدعم من مختلف الأفرقاء السياسيين، وقد حقنوا به جمهورهم الذي بات جزء منه يدعو لاستخدامه ويشجع عليه كحل وحيد، لكن شئنا أم أبينا فإن العنف وإن حقق انتصاراً مؤقتاً فإنه لا يصنع حلاً دائماً، ونموذج درعا خير مثال، سواء عندما استخدم العنف بهذا الاتجاه أو بذلك الاتجاه في كلا الحالتين كانت النتيجة النهائية “انتصارٌ مؤقت وشكلي”.
بالتأكيد لايمكن لمقال أو رأي هنا وآخر هناك أن يعطي جواباً حاسماً عن مسببات العنف الراهن في “درعا” والذي يشكل خطراً على كل البلاد، رغم أن بعض المسببات واضحة لكن منهجية الحل المستدام تتطلب بحثاً معمقاً في الجذر وسريعاً (الوقت ليس في مصلحة أحد).
قد يذهب أحدهم للقول إن وجود السلاح هو السبب، وهذا رأي سائد حالياً لدى بعض العامة وصناع القرار، لكن هل وجود السلاح وحده مسبب؟، وهل نزع السلاح هو الحل فقط!، بالتأكيد لا. إن المشكلة تكمن في الأسباب التي تجعل هناك رغبة لاستخدام السلاح، أو إرادة للضغط على الزناد وزرع عبوة ناسفة هنا أو هناك، كما أن سحب السلاح الحالي لايلغي إمكانية إيجاد أسلحة بديلة، أو استخدام أدوات أذية أخرى، وبالتالي إن البلاد تحتاج إجراءات توصل الناس لخيار عدم استخدام العنف كوسيلة، وطالما الأسباب لم تعالج فإن القناعة بعدم استخدام العنف تبدو بعيدة، والخطر قريب جداً.

اقرأ أيضاً تفجيرات في درعا.. استنفار أمني والأنباء الأولية تؤكد وقوع ضحايا

نموذج درعا يؤكد أن الترقيع لاينتج حلولاً، وأن التخدير الموضعي لايصنع سلاماً، وأن الاستدامة تحتاج مواجهة وشجاعة في المواجهة مع تفهم للمشكلة، ووضع آليات حلها بالشراكة أيضاً وليس من جانب واحد.
ربما يجد هذا الرأي معارضةً أو تخويناً من بعض المتخندقين، أو المظلومين، أو الحالمين، أو القساة، أو المجروحين أياً كان ممن يرى بالعنف حلاً، وهؤلاء نسألهم بكل احترام هل يريدون خسارة المزيد من المقربين، من الجيران، من الأصدقاء، هل يريدون لأم أن تنام وقد خسرت ابنها، هل يريدون لطفل أن يفقد أباه كما حدث اليوم ويحدث كل يوم.. بتقديري هم لايريدون، وبالتالي هي دعوة للبحث عن خيار بديل غير التجربة التي مضى عليها وقت طويل دون جدوى.
إن ماوصلت له درعا حالياً سببه نهج الحل الذي استخدم معها، وهي نتيجة متوقعة ومنطقية لشكل الحل. لقد تعبت البلاد من هذا النهج، وتعبت من آلية التفكير هذه، وتحتاج أدوات جديدة. أدوات تعالج جذور المشكلات ولا تجمل الواقع أو تصنع انتصاراً آنياً. انتصاراً بالشكل وهزيمة في الجوهر، إن انتصار الدولة يكون بتحويل هذا الواقع من مدمر إلى منتج، من مولد للعنف إلى مولد للحلول والمقاربات الإيجابية، إلى مولد للتنمية والبناء والاقتصاد والاستقرار والسلام والمستقبل، إلى مولد للحياة.

اقرأ أيضاً درعا: الاعتصام الأول من نوعه بعد تسوية الجنوب وهذه مطالب المعتصمين

المقالات المنشورة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الموقع