خمّارة بابِ شرقيّ لأبي جورج.. السّاقي وإليه المُشتكى

"أبو جورج" مالك الخمارة - انستغرام

أجيال مختلفة مرّت على الخمارة وجميعهم علت أصواتهم وصدحت بقولهم: «كاسك يا وطن»

سناك سوري – خاص

هناك في “دمشق” القديمة تشرقُ خمّارة أبي جورج، متميّزةً متفرّدةً على الرّغم من وجود المنافسين، ففي هذه الخمّارة المتواضعة، تستطيع أن تصل إلى النّشوة بفعل كلّ التّفاصيل الموجودة، وليس فقط بفعلِ الخمر، بالصّور القديمة، الأغاني التي تصدح وتعود بك إلى المواقف الرّافضة مغادرتك، والذّكريات المنقوشة على الجدران والطّاولات لأُناسٍ لجؤوا إلى ما يذهب العقل، ليتناسَوا هجرَ راحل ترك للخمر مهمّة الاحتضان واستيعاب المشاعر.

يجتمع النّدامى في الخمّارة ويأتي السّاقي “أبو جورج” ليكون خير جليس ومنصت لهم، حيث استطاع الحفاظ على استمرار عملها بالرغم من إغلاق منافسيها وبقي يستقبل روادها الذين جعلوه شاهداً على قصص حبّهم واعترافاتِهم اللّيليّة.

بقي مصطلح الخمّارة ثقيلاً على مسامع المجتمع السّوري فترة طويلة، لاعتقاده أنّ رواد هذه الأماكن ينحدرون من بيئة سيّئة، ويمتهنون أعمالاً متواضعة، ويعود نسبهم إلى القرى البعيدة، خاصة أن المثقفين لم يقصدوا خمارات “باب شرقي” إلا قليلهم إذ كانوا يفضلون خمارات شارع “العابد” “فريدي”، “نادي الصحفيين”، “نادي العمال”، “مطعم الرّيس”، و”مقهى الهافانا”.

بالرّجوعِ إلى تاريخ الخمّارة، نعلم أنّها شيدت عام 1910، ملكها عم “أبي جورج” في خمسينيّات القرن الماضي، ثم باعها لوالد “أبي جورج” بعد أن أقفل الأخير خمارته في “المرجة”، لكنها لم تحظَ باسم يميزها واكتفت بنسبتها إلى مالكها لعدم وجود الآرمات في “باب شرقي”، علماً أنها نسبت سابقاً لـ “أبي ميشيل” والد “أبي جورج” قبل أن تنسب اليوم إلى “أبي جورج” الّذي يتناوب مع أخيه “أبي عصام” في إدارتها بين الصّباح والمساء وأيّام العطل.

اقرأ أيضاً: كوليت خوري.. وأيام مع دمشق

وبالعودة إلى المراحل الّتي مرت على الخمّارة، نكتشف أنّها بقيت محافظة على ألقها على الرّغم من الصعاب التي واجهتها، والبارات والمطاعم الّتي نافستها، ففي العام 2008 بيعت خمّارة “فريدي” وأُغلقت، وهي المنافس الأقوى لـ”أبي جورج”، فترك المجال للأخير لاستقبال النّادمين ،ولكن في العام ذاته، تدهورت الحركة الاقتصاديّة؛ إذ تم ترميم شارع  “باب شرقي” في “دمشق” بعد أن هبطت عدّة أبنية منها خمّارة “أبي جورج”؛ لوجود نفق تحتها، فأغلقت مدّة عام كامل، قبل أن تُرمم وتعود للعمل عام 2009 بحلّة حديثة محافظة على ألق الماضي ودفْء تفاصيله.

عام 2009 شهدت “سوريا” انفتاحاً كبيراً وأصبحت مقصد السّائحين من مختلف الجنسيّات، فبدأت المطاعم تتنافس لإرضائهم، وأصبحت تقدّم الخمور أيضاً، ولكن بقيَت خمّارة “أبي جورج” متميّزة خارج المنافسات، وكانت مقصد الكثير من السّائحين لقِدمِها، وتفاصيلها المميّزة، من دون جهد مبذول من “أبي جورج” لجذب أحد، لكن في العام 2010 بدأ ظهور البارات العصريّة مثل “آفتر٧” والتّي تطرب روّادها بموسيقا أجنبيّة، في حين بقيت خمّارة “أبي جورج” معتمدة على ما يُذيعه الرّاديو، ويرضي أذواق الرّواد.

يقول “سومر هزيم” رجل أعمال، وواحد من روّاد الخمّارة مدّة 15 عاماً: «مع بداية الحرب السّوريّة عام 2011 وبعد أن كنّا في أوج الانفتاح والنّهضة في “دمشق”، أصبحت المحلّات والفنادق والنشاطات التّجاريّة تخسر زبائنها، فأغلقت أملاكها، ومنها معامل الخمر مثل “بيرة بردى ومعمل الشرق” ومع  ذلك لم يغلق “أبو جورج” الخمّارة، بل اعتمد على العرق البلديّ والبيرة المستوردة من “لبنان”، وبقي صامداً مواجهاً قذائفَ الموت مع روّاد خمارته، يُسامرهم حتّى ساعات الصّباح الأولى، متناسياً كلّ العوائق الّتي تعترضه.

اقرأ أيضاً: الكواكبي… المثقف الذي كان سيعدم بسبب حديثه ضد الحكومة

يضيف “هزيم”:«سنة ٢٠١٥ افتتحت محل La marionnette وهو بار عصريّ مقابل خمّارة “أبي جورج” وحقّق نجاحاً غير متوقّع في ظروف قاسية.
كان المشروع تسلية وتحدّياً للحرب، فتحوّل إلى مشروع تجاريّ ربحيّ نشّط الحركة التّجاريّة في الشّارع، وكان بداية لافتتاح عدّة خمّارات عصريّة
ولكنّ “أبا جورج” بقي متفرّداً بطابعه الخاصّ، يقصده الشّباب وطلاب الجامعات على اختلاف أحوالهم الماديّة، والجدير بالذّكر أنّ أسعارَ أبي جورج بقيت منطقيّة في ظلّ ارتفاعها بباقي المحلّات.

يشير “هزيم” إلى محاولة “أبي جورج” مواكبة العصر، فاستبدل بالرّاديو جهاز آيباد موصولاً بالإنترنت؛ ليتيح للزّبائن اختيار الأغاني الّتي يحبّونها،
وسمح بالكتابة على الجدران، بعد أن منعها قبل الحرب، ليساعد روّاد خمّارته على تفريغ شحنات عواطفهم، فغدت الجدران توثيقاً لذكريات كاتبيها، دافئة دفء المشاعر الّتي تحملها.

يخبرنا “هزيم” بأثر أزمة “كورونا” الكبير الّذي ولّد ارتفاعاً كبيراً في الأسعار، فأصبح الرّبح قليلاً على الرّغم من رفع التّسعيرة للزّبون، فيغدو التّاجر والزّبون غير راضين، ولكن لا حول لهم ولا قوّة، مؤكداً أنه حافظ على علاقةٍ حميميّةٍ مع المكان وروّاده مدّة خمسة عشر عاماً، وقد أحبّ الاستماع إلى قصص النّاس والإنصات إلى شكواهم، يقول:« عاصرت أجيالاً في الخمّارة، وسمعت قصصهم، ومن الحكايا الّتي رويت لي أنّ رجلاً كان يقصد الخمّارة راكباً حماره، وعند وصوله إلى مرحلة السّكر، يحمله النّاس ويضعونه على ظهر الحمار الحافظ طريق البيت، فيوصله إليه.

لم يتأقلم “أبو جورج” مع تطوّرات الحياة، وحافظ على عراقة خمّارته وقِدمها، على الرّغم من الإغراءات الّتي قد يقدّمها تطويرها، ويقول “هزيم”:«أظنّ أنّ هذه المحافظة، أحد عوامل الجذب للمكان، فضلاً عن أمور أخرى مثل طيبة “أبي جورج”، وعلاقته الطّيبة مع النّاس الّذين يروي لهم قصصاً عن أزمنة مضت عاشها وعاصرها مع والده».

على الرّغم من التّغيرات الّتي طرأت على الحياة الاجتماعية، من ازدهار أو انكسار، من انفتاح أو حروب أو أزمات، بقيت خمّارة “أبي جورج” مقصداً لكلّ فئاتِ الشّباب، ملجأً لهم في أزماتهم، سجلّاً موثّقاً لذكرياتهم وعلاقاتهم.

عديدة هي الوجوه والسّهرات والحكايا في الخمّارة، أجيال مختلفة مرّت عليها، وجميعهم علت أصواتهم وصدحت بقولهم: «كاسك يا وطن».

اقرأ أيضاً: “نزار قباني” يستضيف رجال دين ووجهاء دمشقيين لتدارك إشكال “حي الأمين”

خمارة أبو جورج أثناء عملية الترميم
خمارة أبو جورج قبل الترميم
سومر هزيم واقفا أمام الخمارة متوسطا أبو جورج وشقيقة أبو عصام

المقالات المنشورة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الموقع