المجتمع المدني في اللجنة الدستورية وضرورة ردم الهوة بين الأفرقاء – أنس جودة

أنس جودة

يجب أن تشكل كتلة المجتمع المدني صمام أمان لمنع الاستقطاب والتصويت السياسي

سناك سوري-أنس جودة

سألني المبعوث الدولي السابق السيد “ستيفان ديمستورا” في آخر لقاء جمعني معه خريف العام الماضي حول اللجنة الدستورية وتشكيلها قائلاً: «الحكومة تريد أن تحصل على نسبة النصف زائد واحد في اللجنة حتى توافق على السير بالعملية وهذا الأمر قد يعرقل العمل ويعطيها يداً طولى على حساب المعارضة والمجتمع المدني فمارأيك؟».

قلت له إذا كان تشكيل اللجنة والسير بالعملية متوقفاً تماماً على هذا الطلب فأرى أنه من الواجب أن تحصل الحكومة عليه، وذلك لعدة أسباب أهمها أن إطلاق عمل اللجنة والبدء فيه قد يكون أهم إنجاز في مسار الحل السياسي السوري فمنه ستبدأ المفاوضات المباشرة والإعتراف بوجود قوى مختلفة والكف عن الرؤية الأحادية للنزاع، ومنه سيبدأ السوريون بالتفكير بمستقبل بلادهم وشكل دولتهم بطريقة ممنهجة وسيقول كل طرف ماذا يريد أن يرى في العقد الاجتماعي بشكل محدد بدلاً من الكلام المرسل على صفحات التواصل الذي لن يقدم ولن يؤخر في شيء، فمسار العمل في اللجنة أهم من مخرجاتها مهما كانت.

بالإضافة إلى شيء هام جداً فالأغلبية البسيطة في اللجنة لن تحقق أي تعديل في ميزان القوى واتخاذ القرار الذي سيتطلب أغلبية مطلقة وحتى توافقاً بين الأعضاء، كما أن هناك توافقاً عاماً على المواضيع الكبرى رأيناه في لقاءات المسار الثاني التي نظمتها عدد من المنظمات الدولية فمثلاً هناك رأي عام بعدم صلاحية النظام البرلماني لإدارة بلاد بعد الحرب، وأن أمور الدفاع والخارجية هي من صلاحيات رئيس الجمهورية وغيرها من أمور، لذا إذا كان الأمر متوقفاً على هذا الطلب فلا يجب التوقف أبداً لأن مايعنينا كسوريين وكمجتمع مدني هو إطلاق المسار أولاً، وثانياً تثبيت دور المستقلين في العملية السياسية وأن تصبح هناك قاعدة ثابتة وملزمة بوجود طرف ثالث في أي نقاش ومسار يتعلق بالمستقبل السوري وأن لا يكون العمل محكوماً باستقطابية سياسية بين الحكومة والمعارضة.

هذه النقطة بالذات هي ما يجب أن يعنينا اليوم عندما نعاير أهمية عمل اللجنة الدستورية أو نحاول أن نطلق أحكامًا وتصورات حول جدواها من عدمه. وأن ننظر بواقعية للمسار السياسي وقوة الأطراف فيه وإمكانية دخول أصوات ووجهات نظر مختلفة إلى مسارات رسمية يكون كل ما يصدر عنها ويتداول فيها موثقاً ورسمياً ومنتجاً، وتتم العودة إليه والبناء عليه ولو بعد حين على عكس كلام الصفحات وحتى الكلام في اللقاءات غير الرسمية التي ينتهي مفعول التوافق فيها -إن حصل- بنهاية الاجتماع.

اقرأ أيضاً: ممكنات وإيجابيات اللجنة الدستورية السورية – أنس جودة

إن كتلة المجتمع المدني، بغض النظر عن الأسماء الموجودة فيها وعن التوزع الحالي لأعضائها، تعبر عن حالة المستقلين غير الممثلين ولا المعبر عن رأيهم في الكتلتين الأخريين حتى لو كان هناك ميل وتوافق مع إحداهما فهذا لا يعني تطابقاً كلياً في المواقف والتصورات. هذا التموضع يعطي للكتلة أهمية على عدة مستويات فهي:

– تشكل صمام أمان لمنع الاستقطاب والتصويت السياسي على أساس التموضع بغض النظر عن الموقف من الأمر الذي يجري عليه التصويت.
– قادرة على جسر الهوة ولعب دور التواصل وتقريب وجهات النظر بين أعضاء الكتلتين الأخريين.
– غير مقيدة بالموقف السياسي ما يمكّنها من إطلاق أفكار بديلة ومتعددة بمرونة وسرعة.

يبقى هناك نقطة ضعف أساسية وهي أنه بينما تستند قائمة الحكومة إلى مؤسسات الدولة ومصادرها ومعلوماتها وغطائها السياسي، وتستند لائحة المعارضة لهيئات الإئتلاف والدعم الدولي لها، فإن قائمة المجتمع المدني لا تستند إلا إلى خبرة أفرادها ولا تمتلك مدخلاً لدعم تقني أو مصدراً للمعلومات عن الوقائع، اللهم إلا ملاحظاتهم الخاصة حول الواقع السوري وآراء الناس، لهذا وإن كان من الإيجابي عدم وجود طرف دولي داعم لها حتى تحافظ على استقلاليتها لكنها بحاجة لقاعدة وغطاء مدني يسند عملها ويضيف لوجودها قوة فعلية نابعة من دعم الناس لها، ويقدم المشورة والنصيحة في كل مراحل عمل اللجنة الدستورية حتى لا يضيع عمل أعضائها ولا يتحولوا لمجرد حضور شكلي يفقد السوريين وسيلة هامة في التعبير عن آرائهم وتطلعاتهم، ويعطي العملية كلها مصداقية واقتناعاً وشعوراً شعبياً عاماً بملكية المسار والتمثيل وهي أمور لن تحصل أبداً في حال اقتصر المسار السياسي على الكتلتين المستقطبتين.

اقرأ أيضاً: مساحة المجتمع المدني الغامضة

المقالات المنشورة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الموقع