سبونج بوب يساعد طالبة في تقديم محاضرة بالاقتصاد في جامعة دمشق
شخصيات كرتونية تتحوّل لوسائل تعليم .. هل حان وقت تغيير أساليب التدريس؟

فاجأت طالبة الاقتصاد بجامعة “دمشق” “تالا الدمراني” زملاءها بإدخال “سبونج بوب” إلى قاعات الكلية ليكون وسيلتها في شرح محاضرة بمادة التأمين، لتكسر روتين التلقين المباشر وتفتح نقاشاً حول أساليب التعليم في الجامعات السورية.
سناك سوري _ مجدولين السلطي
وقفت “تالا” التي لم تتجاوز الـ 19 عاماً أمام الطلاب لشرح مقرر المادة، وقررت أن يكون أسلوبها مختلفاً مع عرض صور “سبونج بوب” كوسيلة إيضاح في شرح المادة.
وقالت “تالا” لـ سناك سوري إن التفكير خارج الصندوق جزء من شخصيتها، حيث كان اختيارها لشخصية “سبونج بوب” لا يهدف للترفيه فقط، بل إلى إيصال المعلومة بطريقة تساعد على ترسيخها في أذهان الطلاب عبر ربطها بشخصية مألوفة ارتبطت بذكريات الطفولة.
وأضافت أن الفكرة خطرت لها أثناء التحضير لشرح المحاضرة، باعتبار رؤية الشخصيات المألوفة تساعد في استقبال المعلومات وتخزينها لدى الطالب، إضافة إلى أن الطريقة مسلية ومفيدة وممتعة، حيث ربطت محتوى المحاضرة بقصة تساعد الطلاب على ربط الأحداث مع الرسومات مع محتوى المحاضرة وهو ما حدث فعلاً وفق حديثها.
جامعة الفرات.. نتائج الامتحانات المتأخرة تعرقل مستقبل الطلبة
من الاستغراب إلى المتعة
تقول الطالبة “نغم سليمان 20 عاماً” أن بداية المحاضرة شهدت استغراب الحاضرين، لكن الأمر لم يطل، وبعدما بدأت “تالا” بالشرح بدأ الطلاب تدريجياً بالتفاعل والتركيز والمشاركة، ومع مرور الوقت امتدّ التفاعل إلى مدرّسة المادة التي تابعت المحاضرة وشاركت فيها.
وأضافت “نغم” أن أستاذة المادة أعجبت بالفكرة وشاركت في الإجابة عن أسئلة “تالا” وتفاعلت مع أجواء المحاضرة، ما أضفى روحاً مختلفة عن المحاضرات الاعتيادية.

شخصيات كرتونية كوسائل تعليم
لم يكن “سبونج بوب” وحيداً في العرض، فقد استخدمت “تالا” شخصيات أخرى ربطتها بمفاهيم التأمين، وقالت الطالبة “سيدرا أحمد 20 عاماً” أن أكثر شخصية علقت في ذهنها كانت “سبونج بوب” لأنه كان يمثّل الشخص المعرَّض للمخاطر ويحتاج للتأمين.
فيما رأى الطالب “عمر غريب” أن شخصية “مستر سلطع” كانت أقرب لمضمون المادة بالنسبة له، لأنه كان دائماً يستند إلى الدستور وكان المرجع الأساسي في كل عملية تتم خلال العمل.
أما “نغم” فقالت أنها تأثرت بشخصية “بسيط”، لأنه خسر بيته ولم يتلقى أي تعويض لأنه لم يكن قد أمّن على المنزل في شركات التأمين.
وبينما أعرب الطلاب عن إعجابهم بطريقة العرض، واعتبارها تجربة ساعدتهم في فهم المادة بطريقة أبسط وأكثر متعة، وقالت “سيدرا” أنها تتمنى رؤية المزيد من هذه الأفكار في الجامعة لأنها تشجع الطلاب على المشاركة، وتثبت أن الإبداع من الممكن له أن يكون جزءاً من التعليم حتى في المواد القانونية التي يعتقد كثيرون أنها صعبة ونظرية.
الطالب “علاء المتوالي 21 عاماً” قال أن المحاضرة شهدت أجواءً من الضحك والمتعة لأن فكرتها جميلة ومضحكة في الوقت ذاته، وتساعد الطالب على فهم المادة وتسهيل دراستها.
لقاء مفتوح بين الطلبة وإدارة جامعة اللاذقية .. وورشة للقراءة السريعة في دمشق
أثر ما بعد المحاضرة
تقول “تالا” لـ سناك سوري أنها وبعد انتهاء المحاضرة جاء إليها الطلاب وقالوا لها إن هذا القسم هو أكثر ما سيتذكروه في الامتحان، وأن المثال علق بأذهانهم من خلال القصة والرسومات، مشيرة إلى أنها لاحظت أن مجموعات الدفعة على وسائل التواصل بدأت باستخدام الأسلوب القصصي والكرتوني في شرح المحاضرات.
وأوضحت “سيدرا” أنها بدأت تستخدم في دراستها أمثلة من الحياة اليومية وتربط الأفكار بقصص وشخصيات معروفة كما حدث في المحاضرة بما يجعل المعلومة أسهل للفهم وأسرع للحفظ، لا سيما مع حديث الطلاب عن وجود عدة مواد أخرى ضخمة وتحتاج إلى تبسيط.

هل تكفي المبادرات الفردية لتطوير التعليم؟
ترى الباحثة التربوية والأستاذة في جامعة دمشق “آلاء أبو ناصر” أن المشكلة لا تكمن في صعوبة المناهج بحد ذاتها، وإنما في انفصالها عن واقع الطالب.
وتضيف الدكتورة “أبو ناصر” لـ سناك سوري أن ما ينقص المناهج اليوم عدم ربطها بالواقع، فهي ما تزال تبني متعلماً متلقياً للمعارف والمعلومات ومخزناً مؤقتاً لها، في الوقت الذي نحتاج فيه إلى متعلم مبدع ومبتكر ومفكر.
وتوضح أن الخلل لا يقتصر على المناهج، بل يمتد إلى طرائق التدريس وأساليب التقويم والبيئة التعليمية بأكملها، مؤكدة أن ربط التعلم بالحياة اليومية هو ما يمنح المعرفة قيمتها الحقيقية.
وترى أن الأساليب الإبداعية، مثل التعلم القائم على المشاريع، والتعلم باللعب، والحوار، وطرح الأسئلة العلمية، وتنمية مهارات التفكير الناقد، وحل المشكلات والعمل الجماعي، تسهم في تحويل الطالب من متلقٍ للمعلومة إلى باحث نشط يشارك في إنتاجها.
في جامعة حلب.. طلاب يدرسون التجربة .. ولا يعيشونها _ محمد العمر
العائق ليس المنهج وحده
ورغم أن كثيرين يحمّلون المناهج مسؤولية ضعف التفاعل داخل القاعات الدراسية، فإن الباحثة ترى أن المشكلة أكثر تعقيداً من ذلك، وتشير إلى أن نتائج بحث أجرته حول واقع المهارات الريادية في ظل التحولات العالمية لدى طلبة المرحلتين الثانوية والجامعية أظهرت وجود فروق ذات دلالة إحصائية بين طلبة كليات مختلفة داخل الجامعة نفسها، رغم أنهم يدرسون المنهج ذاته.
وتوضح أنه في حال كان المنهج هو العائق الوحيد لكان أداء الطلاب متقارباً، لكن التباين الواضح يظهر أن بيئة الكلية وأسلوب الأستاذ، وثقافة القسم هي التي تصنع الفرق.
كما أظهرت نتائج البحث وجود فروق بين طلبة الفرعين الأدبي والعلمي في المرحلة الثانوية، وهو ما يعكس بحسب الباحثة اختلاف الممارسة الصفية والتفاعل داخل الصفوف، وليس اختلاف الكتب الدراسية فقط.
وتضيف أن الدراسة أظهرت أيضاً تفوق الإناث على الذكور في اكتساب المهارات الريادية ضمن المناهج نفسها، وهو ما يشير إلى أن العوامل الاجتماعية والتفاعلية داخل المنظومة التعليمية تؤثر في مخرجات التعلم، ولا يمكن حصر المشكلة بالمحتوى المكتوب في الكتاب.
من الملقن إلى الميسر
وترى الباحثة أن تطوير العملية التعليمية لا يتحقق بمجرد مطالبة المعلم بتغيير أسلوبه، بل يحتاج إلى إعادة تعريف دوره داخل المؤسسة التعليمية.
وأشارت لوجود 3 محاور رئيسية لتحقيق تحوّل نوعي تبدأ بتدريب المعلمين على مهارات التدريس الحديثة، مثل إدارة الحوار، وطرح الأسئلة، وتصميم الأنشطة التفاعلية، مؤكدة أن ورش العمل التطبيقية أكثر فاعلية من المحاضرات النظرية في إحداث هذا التغيير.
أما المحور الثاني، فيتعلق بتطوير أساليب التقويم، إذ ترى أن الامتحانات التي تقيس الحفظ فقط تدفع المعلم إلى التركيز على التلقين، بينما يؤدي اعتماد أدوات تقييم تقيس الفهم والإبداع والابتكار إلى انتقال دوره تلقائياً من ناقل للمعلومات إلى ميسر وموجه لعملية التعلم.
ويتمثل المحور الثالث في ألا يكون المعلم المصدر الوحيد للمعرفة، ولا سيما في ظل الانفجار المعرفي الذي يشهده العالم اليوم، بل أن يساعد الطالب على تعلم كيفية البحث والوصول إلى المعرفة، ويوجهه إلى مصادر تعلم متنوعة، ويوفر له بيئة تعليمية ترتبط بالواقع وتشجع على المبادرة والابتكار.
وختمت “أبو ناصر” حديثها بالتأكيد على أن تطوير التعليم لا يعتمد على تعديل المناهج وحدها، وإنما يحتاج إلى إعادة تأهيل المعلمين بصورة مستمرة، وتطوير برامج التعليم والتقويم، وتهيئة بيئة تعليمية تشجع على الإبداع والابتكار.








