كورونا.. توقف قليلاً واتبع عقلك -ناجي سعيد

تاتو - ناجي سعيد

صديقتي الألمانية طلبت مني أن أكتب لها: “اتبعي قلبك”.. رداً على نهجها كتبت: اتبع عقلك!

سناك سوري-ناجي سعيد

لقد كانت زميلتي في العمل “ميكاييلا” وهي ألمانية، تضع في رقبتها قلادة “خريطة فلسطين”. وهي تقصد بذلك تعاطفها الشديد مع قضيّة فلسطين، ومن خلف ذلك تعاطفها مع القضايا الإنسانيّة كافة. وأنا أؤكّد هذا الشيء، من خلال تجربتي العملية معها.

فنحن نعمل في مجال التدريب الإنساني الإجتماعي، والذي يعزّز القيم، التي تساند بناء مجتمع إنساني يطمح إلى عدالة إجتماعية إنسانية. ومن هذا القبيل، كانت صديقتي تعتبر بأن “قلبها” هو الذي دفعها للإيمان بهذا المسار. وهذا المسار غير قابل للخطأ. بمعنى أنّ إيمانها بهذا الطريق نهائي لا عودة عنه. لذا طلبت منّي أن أكتب بخطّي الجميل: «اتبعي قلبك»، لتنقشها ك “تاتو” على يدها. والتاتو صعب الإزالة، وتغييره يشبه تغيير القيم المحفورة في قلب الإنسان.

إن تشبيه القيم (ومكانها القلب) بالتاتو، يلامس واقعيّة حفر التاتو وصعوبة إزالته، فتُحفر القِيَم في قلب الطفل الصغير لينمو معها، وهي تتصلّب في قلبه لدرجة أنّه عند اكتمال اللغة (وهي وظيفة دماغية) يعتقد بأن كل ما تعلّمه من والديه (معرفة وقيم ومهارات) هو حُكمًا مُطلق الصوابيّة. فالطفل لا يقوى على معارضة والديه في صِغَرِه وذلك لعدم التكافؤ بينه ككائن لم يكتمل نموّه (اللغة والدماغ) ووعيه، وبين معتقدات سائدة مستندة على المجتمع والدين.

ففي الحالات المُجتمعية، حين يُبدي الطفلُ رأيه بنقاش عائلي، يسارع البالغون الناضجون (أب/ أمّ/ أخوة اكبر سنًّا) بإسكاته فورًا. فما يكتسبه الطفل في هذه الحالة وبحسب العمل الدماغي، هو ليس معلومة فقط، بل يقين مُطبق بأن الصغير لا يفهم مثل الكبار. ولا ينتبه للقمع إلاّ على مستوى المشاعر، وغالبًا ما يعتاد قمع المشاعر: «عيب تبكي، أنت رجّال كبير وبعدك بتبكي؟» والمفارقة في هذا المسار الواقعي، أنّهم من ميل يمنعونه مشاركتهم أفكاره، ومن ميل آخر يمنعونه التعبير عن مشاعره!! فما الذي بقي من الطفل، آلة مطيعة ومُنفّذة لأوامر سلطة كَبُرت وتربّت على نفس النهج القمعي، وهكذا تتكاثر الأجيال المقموعة لتقمع الأجيال القادمة.

اقرأ أيضاً: عقدة الألقاب.. ناجي سعيد

بالعودة للعلاقة بين العقل والقلب، أودّ أن أذكر ما تعلّمته من د. ذوقان عبيدات، وهو أردني أعطانا (كمُدرّسين) ورشة في إدارة الدماغ: “أن العقل يضع أهداف الإنسان، وقلبه يُحبّبُه بهم”. وهذا ما لم يقتنع به “صديقي حسن” حين أخبرته ذلك، فهو يعتبر كما “ميكاييلا” أن القلب هو الآمر الناهي لتصرّفات الإنسان. ومن يعتبر نفسه مُستقلاًّ، وواعٍ لإستقلاليته في إتخاذ القرارت الحياتية يجيبك حين تسأله من الذي يقود تصرّفاتك: العقل أم القلب؟ لكلّ مقام مقال.. وقد تأكدت حين سألت زوجتي، فقد أجابت: لا أعلم لكنني أغلب الأوقات ألجأ إلى التوازن بينهما.

نعم من الطبيعي أن نوافق على هذه المقولة، التوازن ضروري في كلّ شيء لكي يكون الإنسان سعيدًا بشكل عام، فكما قال الحكماء قديمًا: خيرُ الأمور أوسطها. فلو جعلت الدفّة تميل إلى جانب (العقل أو القلب) لغرقت في نفق التعصّب. نعم والواضح عبر التاريخ، بأن التعصّب لا يكون إلاّ عاطفيّ، حيث نشأت العديد من الصراعات والحروب بين الشعوب بسبب خلاف بين مُعتقدات، والمُعتقد لا يكون عقلانيًّا، فلو كان ذلك لسَهُلَ تغييره وحلّ السلام بين الشعوب المتنازعة.

والمُعتقد الذي مقرّه القلب هو سبب البلاء والحروب والعنف بين البشر. مع العلم بأن القلب مصدر للحب، فالرجل الذي يعشق إمرأة يُسارع إلى “دقّ تاتو” على يده، قلبًا يخترقه سهم، وحرف اسمه من جهة وحرف اسمها من الجهة الأخرى. وقبل التاتو، من منّا لم يرسم على كتابه أو كرّاسته أيام المدرسة هذا القلب مع السهم وحرفيّ اسم العاشقين.

وقد بحثت عمّا يدعم إيماني بمنهجيّة العقل، فكلّ إمرءٍ يحاول إقناع الآخرين بما يؤمن، حتّى ولو إيمانه نابعٌ من عقله. وهذا تمامًا بيت القصيد، فالدعوة إلى العقلانية التي أريد ما هي إلاّ “مُعتقد” كي لا أقول “عقيدة”، والمعتقد لغويًا أقرب إلى الظنّ القابل للتشكيك من العقيدة التي يعتبرها “المؤمنون” بها نهائية.

اقرأ أيضا: التربية… والمُربي – ناجي سعيد

وهذا ما جعل الناس في هذا الزمن، وتحديدًا في ظلّ مواجهة أزمة الكورونا يذهبون إلى “العقيدة القلبية”، حيث لا تنصاع الناس إلى تعليمات الحكومة التي طلبت منهم إلتزامهم المنازل للوقاية من المرض المتفشّي. فترى الناس تخرج للنزهة و”السيران” في الطبيعة، غير آبهين في انتشار الفايروس المُعدي الذي يقضي عليهم، ويقولون لك: “المسلّم الله”. ضاربين بعرض الحائط حديث الرسول، حين شكى إليه الأعرابي الذي فقد ناقته مع أنه توكّل على الله كما يأمرهم: “أعقِل وتوكّل”.

وقد لفتني أمس لوحة كاريكاتيرية لصديقتي رسامة الكاريكاتير “أمل كعوش” تُشير إلى ضرورة إلتزام الناس بـ “خلّيك بالبيت”، فرسمت دجاجة تخاطب “البيض” دون أن تجلس عليهم ليفقّسوا: “خلّيك بالبيض”.

وفي عودة إلى فلسفة التاتو، تفاجأت بابنتي ذات التسعة عشر ربيعًا، بأن وجدت جملة تكتبها على جسمها ك”تاتو” نهائي وهي متأكّدة من أهميّة فحواها: والجملة باللغة الإنكليزية: ” Speak the truth even if your voice shake ” ، والترجمة: تكلّم الحقيقة حتّى لو بصوتٍ مرتجف.أنا الذي لم أجرؤ على التاتو إلا في سنّ السابعة والأربعين، وما كتبته كان ردًّا على نهج صديقتي ميكاييلا: اتبع عقلك.

اقرأ أيضا: استخدام العقل.. معضلة البشر المُتعبة – ناجي سعيد

المقالات المنشورة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الموقع