قانون من أيام “عبد الناصر” يضع الجمعيات تحت سلطة الشؤون والجهات المختصة!

وزارة الشؤون الاجتماعية و العمل _ انترنت

بانتظار قانون جديد .. ناشطون مدنيون ينتقدون قانون “تنظيم الجمعيات”

سناك سوري _ محمد العمر

يعود بنا التاريخ إلى العام 1958 حين نتحدث عن القانون الذي ينظّم عمل المنظمات غير الحكومية كالجمعيات الخيرية والتنموية والثقافية.

إنه القانون /93/ الذي ما زال حتى اليوم والمذيّل بتوقيع الرئيس الراحل “جمال عبد الناصر” إبان فترة الوحدة السورية المصرية التي فرط عقدها بعد 3 سنوات بينما بقيت آثارها متجسّدة بعدة قوانين ومفاهيم ضمنها قانون “تنظيم الجمعيات”.

ويبدو غريباً أن الرغبة في إنشاء جمعية أو منظمة ستحيلك إلى أحكام قانون مرّ عليه أكثر من ستين عاماً مع ما طرأ خلال هذه العقود الستة من تغيرات على البلاد والعالم والمفاهيم والحاجات، فكل شيء يمضي إلى الأمام والقانون مازال “مكانك راوح”.

يقول المحامي “مزيد كريدي” في حديث لـ سناك سوري أن القانون الحالي منح وزارة الشؤون الاجتماعية سلطات واسعة على الجمعيات، وأفسح لها مجال التدخل في عمل الجمعيات بشكل واسع، كاشتراط الحصول على موافقة الوزارة على أي تجمع أو نشاط للجمعية قبل 15 يوماً، إضافة إلى تبليغ الوزارة بمحاضر الاجتماعات، وللوزارة أيضاً وفق القانون أن تعيّن عضواً أو أكثر من قبلها في مجلس إدارة أي جمعية.

ويضيف “كريدي” أن سلطة الوزارة تصل إلى درجة القدرة على حل الجمعية التي تريد، ورغم أن القانون نظّم الأسباب التي تستند إليها الوزارة في قرار الحل إلا أنه ترك بنداً فضفاضاً يقول بأن الوزارة بإمكانها حلّ الجمعية إن رأت أنها حادت عن أهدافها أو أن الخدمات التي تقدمها غير مهمة!.

“مريم”(اسم مستعار) وهي ناشطة مدنية في “حلب” فضّلت عدم الكشف عن اسمها قالت في حديث لـ سناك سوري أن وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل تصف الجمعيات بأنها هيئات مستقلة، إلا أنها في الوقت ذاته تتدخل في كل شاردة وواردة، إضافة إلى عمل أي جمعية أصبح مرتبطاً بالحصول على موافقات من عدة جهات سواءً المحافظة أو الشؤون الاجتماعية أو الجهات الأمنية.

تضيف “مريم” أن القانون الحالي لم يعد مناسباً لعمل الجمعيات، وواقع الحال أن القرارات الوضعية المعرقلة باتت تصدر بين الحين والآخر وتصعّب مهمة الجمعيات والمنظمات غير الحكومية.

اقرأ أيضاً:الشؤون ترفض ترخيص جمعيتين للتنمية دون تعليل الاسباب

من جهته يرى الناشط “وسيم السخلة” أن القانون الحالي وضع في ظروف مغايرة عمّا نعيشه اليوم ولم تعد مواده متناسبة مع طبيعة الدولة أو المجتمع الذي تقدّم أكثر من نصف قرن، مشيراً إلى أن جميع التعديلات التي طرأت على القانون لم تنجح بالنهوض به ليكون محفّزاً لأصحاب النشاط الاجتماعي بكل تصنيفاته المدنية والأهلية والخيرية والحقوقية.

ملف التمويل

يعتبر ملف “التمويل” العنوان الأبرز لدى الحديث عن المنظمات غير الحكومية، ويشكّل هذا الملف العائق الأكبر في وجه الجمعيات.

يوضح “كريدي” أن أصل الإشكالية يعود لنظرة السلطة بعين الشك والريبة لمنظمات المجتمع المدني، واعتبارها تحمل أفكاراً غربية وأجندات خارجية، باستخدام تمويل أجنبي، إضافة إلى أن الحكومة تعتبر أن على المنظمات والجمعيات العمل ضمن إطار البرامج الحكومية وليس تقديم نفسها كبديل بعنوان المجتمع المدني.

وقد انعكس ذلك على واقع العمل المدني حيث تذكر “مريم” أن عملية تثبيت هبة كلّفتها أكثر من 5 سنوات وإلى الآن لم تتمكن من إنجازها، ومن جهة أخرى فإن عمليات التبرع أيضاً أصبحت مقيّدة بعدة قيود ضمنها مثلاً أنه لا يوجد وصل تبرع بمبلغ 50 ألف ليرة واعتباره مبلغاً يحتاج موافقة الوزارة، مضيفة أن عمليات السحب من الحساب المصرفي للجمعية أو عمليات شراء وبيع العقارات مرتبطة أيضاً بموافقات ولجان من الشؤون الاجتماعية.

اقرأ أيضاً: الأجهزة الأمنية وتعويم المنظمات الدينية أبرز معوقات العمل المدني في سوريا

موافقة أم علم وخبر

يعتبر “السخلة” أنه بالعودة إلى الماضي سنجد أن الجمعيات والروابط لعبت دوراً هاماً في القضايا الكبرى والمصيرية، والملفت بحسب حديثه أن التشريع السابق كان مرناً بحيث تكون مسؤولية السلطات حماية الجمعيات لا الرقابة عليها وكانت الجمعيات بحاجة فقط لتقديم ما يعرف باسم “علم وخبر” للسلطات كي تبدأ عملها دون انتظار موافقة.

ويؤيد “كريدي” فكرة اقتصار آلية إشهار الجمعية بإعطاء “علم وخبر” للسلطات بدلاً عن تقديم طلب وانتظار رد الوزارة بالقبول أو الرفض، إضافة إلى أن إشهار الجمعية يحتاج موافقة من الجهات الأمنية التي تقوم بإجراء دراسات أمنية حول أعضاء الجمعية وتصدر عنها الموافقة الفعلية لترخيص الجمعية أو منعها.

بانتظار قانون جديد

في العام 2011 أصدر الرئيس السوري “بشار الأسد” مجموعة من المراسيم والقوانين ضمن ما عرف بالحزمة الإصلاحية ومن ضمنها قانون الادارة المحلية 107 وقانون الإعلام 108، وكان من المنتظر أن يصدر خلالها مرسوم تنظيم عمل “المنظمات غير الحكومية” وأن يحمل الرقم 109 حينها إلا أنه لم يصدر وظل منتظراً منذ ذلك الوقت.

ويرى “كريدي” أن توجّس السلطات من احتمال ارتباط المنظمات غير الحكومية مع جهات خارجية ساهم في تأخير صدور القانون، مبيناً أن النقاش حول إصدار قانون جديد للجمعيات بدأ منذ العام 2005 أثناء المفاوضات والاتفاقيات بين “دمشق” و “الاتحاد الأوروبي”، فيما رجّح “كريدي” أن تحمل الإصلاحات الدستورية المقبلة قانوناً لتنظيم عمل الجمعيات لا سيما أنها أصبحت أمراً واقعاً خلال سنوات الأزمة وظهرت الحاجة الفعلية لوجودها وإتاحة المجال لعملها بشكل أكثر تحرراً.

بدوره أعرب “السخلة” عن أمله في أن تعد تشريعات جديدة تيسّر العملية التنموية والحالة الأهلية وأن يحصل السوريون على تشريع متطور ومواكب لما حققه العمل المجتمعي بالفعل ومساعد لما لم يتم تحقيقه حتى اللحظة.

ومن الجدير بالذكر أن التعقيدات التي يفرضها القانون الحالي ساهمت في التقليل من فرص إنشاء جمعيات تعنى بالمجالات المختلفة، حيث شهد العام الحالي على سبيل المثال ترخيص أول جمعية ثقافية منذ 60 عاماً وذلك على خلفية الصعوبات التي يواجهها من يطمح لتأسيس أي جمعية أو منظمة، ومن جهة أخرى فإن تحرير الجمعيات من سلطة وزارة الشؤون والجهات الأمنية يفسح لها المجال لتوسيع أنشطتها بما ينعكس على المجتمع وتنميته.

اقرأ أيضاً:سوريا تمنح أول ترخيص لجمعية مدنية ثقافية منذ 60 عاماً!

المقالات المنشورة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الموقع