عن عُنف الشارِع والجوع وسوء السلطة – ناجي سعيد

تحطيم واجهات مصرف في لبنان - انترنت

الجوع لا ينفي لاعنفيّة الإنسان، بل يحرّكه للبحث عن أشجار التفّاح

سناك سوري – ناجي سعيد
من الطبيعي أن العين المجرّدة لا يمكنها قراءة حال الطقس اليومي. لكنّنا، قبل أن نخرج من المنزل، نختصر معرفة الطقس بإلقاء نظرة من النافذة، فلو كانت السماء ملبّدة بالغيوم نستنتج فورًا احتمال حدوث أمطار وبالتالي الطقس بارد، ولا بدّ من إتّخاذ احتياطات بلباس (ومظلة) للوقاية من البرد والمطر. هذا مع الإشارة إلى الفارق بين سلوك الجيل الجديد لقراءة الطقس اليومي، والثقافة المكتسبة من الجيل القديم، فقد كانت والدتي (أطال الله بعمرها) تنظر فوق البحر، وتقول بأن الغيوم فوق البحر تعني بأن مطرًا سيهطل اليوم. أما فوق الجبال فهي غيومٌ عابرة. وقد كانت تعرف أيضًا من خلال مؤشّرات أخرى كاتّجاه الرياح وظهور قوس قزح من أي جهة لأي جهة أيضًا.
” كان لظهور قوس قزح عند أجدادنا القدماء دلالات تنبؤ الطقس، عبّروا عنها من خلال أمثالٍ متوارثة منها: “إذا قوست شرق وغرب فرش ونام عالدرب”…أي إذا كان اتّجاه قوس قزح منتصباً من الشرق إلى الغرب عكس اتّجاه الريح، فهذا مُؤشّرٌ على حدوث الصحو، ولذا بالإمكان النوم على الطريق من دون الخوف من حدوث الأمطار والسيول. كما يُقالُ المثل بطريقةٍ أُخرى: “إذا قوست شرق وغرب اقضب الدرب”.. أي يمكن السفر والترحال بكلّ أمان؛ لأنَّ الطقس سيكون صحواً… ويقال أيضاً: “إذا قوست شرق وغرب كدّن دوابك وقوم الطريق” بمعنى جهّز حيواناتك للحراثة فأنت بأمان.”
بالطبع هذا لا علاقة له بعلم الغيب والتنبّوء، بل أن ملاحظة تكرار الأحداث تُراكِم استنتاجًا على مقربة من اليقين. وهنا لا بدّ من الإعتراف بأن المعيار الكمّي يتحكّم بالإستنتاج كعمليّة من وظائف الدماغ. وهذا يُفضي تلقائيًّا إلى أزقّة التعميم الموجودة أصلاً في الدماغ والتي تنسحب على المسائل كافّة، والتي تواجه مسار اتخاذ القرار لدى الإنسان. فيصبح بالخلاصة العلمية، موقف الإنسان عبارة عن عمليّة “أوتوماتيكيّة” يصدرها الدماغ دون أن يدرس فعلاً اين الخطر والتهديد للقيم الذي آمن بها العقل وسوّق لها عاطفيًّا القلب.
اقرأ أيضاً: الشباب ثروة وثورة – ناجي سعيد

والملاحظ بأن الفارق بين الجيلين، هو تلقائية اتّخاذ القرار بناءً على الملاحظة الآنية، دون اللجوء إلى قراءة معمّقة مستندة على خبرات سابقة. جيلٌ يعتمد على الملاحظة السريعة المعتمدة على حاسة البصر. وجيل آخر يعتمد على خبرة حاسة البصر، وقد تراكمت وانتقلت إلى اللاوعي لتوهمنا بأنها أكثر عقلانية، لكنّ التراكم الكمّي للخبرة الزمنية، هو المستندات والأوراق المعتمدة لدى صدق التوقّعات. ولست هنا بصدد المقارنة بين الأجيال، بل كلّ ما أريده هو هل يحقّ لنا التصديق لهذا النهج العلمي الذي قوامه (في هذا المجال، معرفة الطقس) الأقمار الصناعية التي تصوّر وتراقب حركة الرياح على مدى طويل لتصبح قادرة على استنتاج الطقس اليومي في مناخ منطقة ما! هل هذا يجعلنا متأكّدين من هذه المنهجية في التفكير، ونثق بها ثقة تامّة؟ حسنًا فليكن الجواب نعم من جهتي، حيث اعتبر نفسي من أتباع النهج العلمي والتفكير النقدي في الحياة. حسنًا وما هي مشكلتك إذًا؟
يعلم معارفي وأصدقائي تمامًا بأني لاعنفي، ولست بالطبع من هواة تقييم مصداقية الأخبار (خاصة أخبار الطقس).. لكن المجال الذي يعنيني بُحكم لاعُنفيّتي، هو متابعة الأحداث الإجتماعية السياسية والأنشطة المُجتمعيّة، ومن المنطلق نفسه (اللاعنف) فإنّي أثق تمامًا بأن اللاعنف هو من طبيعة البشر، فقد خلق الله آدم وحوّاء وأنزلهما إلى الأرض ليس لطردهما من الجنّة بسبب التفاحة، بل للإشارة بأن الأرض هي جنة ويمكنهما العيش بسلام ضمن موارد الطبيعة، دون اللجوء للقتل والعنف. لكنّ ما حال الناس لو اختفت شجرة التفاح؟ الجوع لا ينفي لاعنفيّة الإنسان، بل يحرّكه للبحث عن أشجار التفّاح.
انطلاقاً مما سبق فإن لجوء الإنسان أحياناً للعنف وإن كان غير مبرر دائماً قد يكون ناجماً عن أفعال السلطة، كما هو الحال في لبنان مثلاً والتعاطي الاحتجاجي مع المصارف والشركات الاقتصادية الكبرى التي تمثل شبكات فساد للسلطة، هذه السلطة التي تتحمل مسؤولية انعدام الخيارات غير العنفية عند الناس واضطرارها أحياناً لاختيار العنف كتكسير واجهة مصرف فهؤلاء الناس جاعوا بينما تتلذذ السلطة بملاعق مذهبة، هؤلاء الناس لم يذوقوا طعم النوم فيما غرقت السلطات في وسائد مثيرة، وفق كل ذلك السلطة لا تستمع لهم.
أكرر موقفي الرافض لكل عنف أياً كان لكنني لا أستطيع إلا أن أحمل السلطة الفاسدة والمسيئة مسؤولية هذا العنف كما هو الحال في لبنان، فهذه السلطات هي التي غذت العنف وربت الناس عليه، وشجعتهم على استخدامه وأكثر من ذلك لطالما قالت لهم الحديث المنسوب لأبي ذر الغفاري رضي الله عنه “عجبت لمن لا يجد القوت في بيته كيف لا يخرج على الناس شاهرًا سيفه !”.
اقرأ أيضاً: الطائفية السياسية والمجتمع الأعمى – ناجي سعيد

المقالات المنشورة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الموقع