الرئيسيةرأي وتحليل

حرية اختيار السوريين لموتهم المناسب – أيهم محمود

لا تقرأه أيها المتفائل بغدٍ يأتي هبةً من الآخرين دون أن تصنعه يداك

لا تقرأ هذا النص إن لم تكن مثلي، واقفاً على حد خيبةٍ وحد ألم. أما بعد.. عن الموت السوري في تلاوينه، وفي إبداعاته التي تفاجئنا كل ساعةٍ وكل أسبوعٍ وكل شهر، أو بالمختصر كل “قهر”.

سناك سوري-أيهم محمود

قد يختار السوري العظيم صاحب التاريخ الحضاري الطويل الموت غرقاً في البحر الذي لا يستطيع ارتياد شواطئه. بعد إغلاقها بالكامل بالمنشآت السياحية وعدم توفر شواطئ مجانية لا تبيع الماء والهواء للبشر. قد يختار الغرق لأنه يبحث عن كهرباء، عن تعليمٍ حقيقي له ولأولاده، قد يختار الموت تحت عجلات باصٍ وهو معلقٌ على بابه.

لكن يداه لم تستطيعا مجاراة إرادته في حشر نفسه في آخر أملٍ للوصول إلى منزله، قد يموت قهراً، جوعاً، كمداً، بالرصاص. بالنار، بالضرب في كل مكان، وكل زمان، وكل حدود، في كل درجات الطول والعرض، وفي كل الارتفاعات، من أعمق أعماق البحار، إلى أعلى قمم الجبال. لا توجد حرية اختيار في العالم كله تعادل حرية السوري في اختيار شكل موته، وحريته في الحصول على فرصة ربحٍ هامة. أن يكون خبر الموسم، أو على الأقل خبر هذا الأسبوع، قبل أن يعود السوريون من فورة اهتمامهم به. إلى بلادة القبر اليومي لأحلامهم ولسعادتهم التي تبدو بعيدة المنال.

بهذه البلاد المنقسمة إلى طبقة السياح الدائمين، مقابل طبقة الهلام الذي اختلط فيه لحم الجميع حتى اهترأ. في هذه البلاد التي لعب فيها الجميع الدولي والإقليمي مبارياتهم العنفية قبل أن يتركوا حطام البشر حاضراً في مكانه. ثم مضوا في سبيلهم ليتحدثوا عن لقاءات مسلية أخرى، ومباريات أحلى وأقوى في بقاعٍ أخرى من العالم. في هذه البلاد التي دخل أفرادها أقل دخلٍ في العالم، لكن أسعارها أغلى من أسعار لندن وبرلين.

مقالات ذات صلة
اقرأ أيضاً: الذكاء السوري المدمر – أيهم محمود

في هذه البلاد التي تُنجب المآسي بكافة أنواع التكاثر المعروفة في كتب الأحياء، في هذه البلاد الغارقة في حزنها المقيم وفي احتفالاتها المبهجة أيضاً. في هذه البلاد العالقة في منتصف المسافة بين فكرة القطاع العام وفكرة التخصيص، في هذه البلاد..

مؤجل!

“كل شيءٍ مؤجل إلى إشعارٍ غير محدد وغير معروف”.

تريد أن تقرأ؟ أن تبدع؟ أن تخترع صناعاتك الصغيرة المقاومة للحصار، تريد تطوير عملك الصغير؟ ومعارفك العلمية الكبيرة؟
كل هذه الرغبات مؤجلة. فالكهرباء حصراً للترفيه، والكهرباء للغرباء عن هذه البلاد، والكهرباء -إن وُجدت- تقسيمٌ حادٌ إلى طبقات. قسمٌ يستحقها لضعف المدة التي يستحقها آخرٌ على الأقل، ومن يريد أن يتعلم فلينتظر إلى ما شاء الله. أو ليبحث عن قاربٍ يحمله إلى عالمٍ آخر فيه هذا الاختراع العجيب متوفرٌ لكل الناس. فإن مات في الطريق إليه، له مجد الموت اغترباً، وإن مات تحت عجلات باص تعلق به، له مجد الموت ارتياحاً مما نحن فيه.

كل شيءٍ مؤجل إلى إشعارٍ غير محدد وغير معروف

تصرّ الدراسات الغربية والشرقية، والجنوبية والشمالية، على عدم فهم ظاهرة الموت السوري، لماذا لا يستمتع هؤلاء البشر بهذه الحياة؟. لماذا لا يذهبون إلى المطاعم الفاخرة أو المنشآت السياحية حيث تتوفر الكهرباء للدراسة والقيام بالأبحاث العلمية. لماذا لا يذهبون إليها من أجل إنجاز صناعاتهم البسيطة، الكهرباء متوفرة هناك، وإمكان العمل أيضاً، والعمل يقود دائماً إلى آفاق حياةٍ كريمة. لماذا يندفعون إذاً بكل هذه القوة في البحار، وفي الغابات، وفي الأنهار، لماذا يغامرون بعائلاتهم وبأنفسهم.

لماذا ما زالوا يحلمون، لماذا لا تموت أحلامهم مثل أجسادهم، لماذا يموت السوري ولا يموت حلمه معه بل يبقى حاضراً وشاهداً فوق قبره. لماذا ما زال يرغب أن يتعلم ولو جاع بطنه وفقد جزءاً من وزنه، لماذا ما زال فيه نبض كتاب، ونبض معرفة. كيف لم يقتل الحصار هذه الأشياء، كيف لم تقتلها كل ألوان السياحة وكل هذه الاحتفالات، وكل ألوان الطرب وتنوع مذاهب الغناء!؟.

اقرأ أيضاً: الحرب التي لا يتحدث عنها أحد – أيهم محمود

المقالات المنشورة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الموقع

زر الذهاب إلى الأعلى