الرئيسيةتقارير

بين الغلاء والتكيف.. سوريون يصنعون سوقهم الخاص

حلول مؤقتة تتحول إلى عادات ثابتة: شراء المتبقي، انتظار التنزيلات، والمشي لتوفير أجور المواصلات

لم يعد البحث عن البديل الأرخص سلوكاً استثنائياً لدى كثير من السوريين، بل تحول تقريباً إلى نمط معيشة يومي تفرضه ضغوط الدخل وارتفاع الأسعار، في أسواق الخضار، وبين محال الألبسة و”البالات”، تتكرر الحكاية نفسها جودة أقل مقابل سعر أقل.

سناك سوري-خاص

تقول أم محمد 45 عاماً إن منزلها بجانب محل الخضراوات الذي اعتاد أن يحضر خضرواته مساء كل يوم، تراقب حركة البيع وتنظر إلى الخضراوات لتقرر طبخة اليوم التالي لكنها لا تشتري، تنتظر ريثما تحل الظهيرة ثاني يوم وحينها تبتاع من بقايا الخضراوات حيث يقوم صاحب المحل بكسر سعرها قليلاً كي يفسح المجال للخضار الجديدة التي سيحضرها مساء اليوم ذاته.

تضيف أم محمد وهي تفرز أوراق السبانخ الصفراء لتنتقي ما يصلح للطبخ، أنها توفر بهذه العملية بين 4 إلى 7 آلاف ليرة تقريباً، وغالباً ما تبتعد عن شراء الخضار مرتفعة الثمن مثل الكوسا وتركز على الخضار الموسمية التي يكون سعرها اقل مثل السبانخ والفول.

تصدير المنتجات الزراعية سوريا
خضار سورية _ سناك سوري

المشهد ذاته يتكرر لدى محال الفروج واللحوم، يقول عبد الرزاق وهو صاحب ملحمة في حي شعبي، إن العديد من الناس يمرون بمحله يومياً لشراء “العظام” المجردة من اللحوم، وقد اعتاد منحها بدون مقابل مادي، أم في محال بيع الفروج فالحال تقريبا واحد حيث يعتمد كثر على شراء الرقاب والظهر كحال فهيمة 60 عاماً، التي تقول إنه لم يعد من المهم تناول اللحم ويكفي مرقه.

وجبات الشتاء تغيرت.. المطبخ السوري مرآة الوضع المعيشي

مقالات ذات صلة

تضيف أنها مثلاً حين تقرر طبخ برغل بحمص فإن الفروج أساسي، لذا تشتري رقاب أو ظهر ما يمنح الطبخة بعض الدسامة المطلوبة حتى لو لم يتواجد اللحم، كما أنها تلجأ في مرات كثيرة إلى بودرة نكهة الدجاج أو اللحم.

بدائل المواصلات!

سوق البدائل لدى السوريين يتسع لأكثر من الطعام، فها هو حسام 49 عاماً موظف حكومي، يمشي يومياً لنحو 3 كم في الذهاب ومثلها بالعودة من دوامه الحكومي ليوفر أجور المواصلات البالغة 6000 ليرة، يضيف لـ”سناك سوري”، أنه يعتبرها أيضاً نوعاً من الرياضة، لافتاً أنه بحال لم يستخدم المواصلات لأسبوع كامل يستطيع في نهايته شراء فروج لعائلته.

نساء على مفترق “الطبخة اليومية”.. الأسعار تسبق قدرتهن على الاختيار

الرجل يؤكد أنه لا يستخدم المواصلات العامة إلا حين اشتداد المطر أو الحر، لافتاً أنه مستمتع بالمشي ولا يقوم به قسراً بل عن رضا وقناعة تامة.

ولا تقتصر البدائل على هذه الأمثلة فقط، فبعض العائلات باتت تستبدل الغاز بالحطب وحتى في التعليم والترفيه، يختار كثير من الشباب الدورات المجانية عبر الإنترنت بدلاً من المعاهد الخاصة، أو يكتفون بالتنزه في الأماكن العامة بدلاً من المقاهي.

عائلة تطبخ شوربا على الحطب

أما في سوق الألبسة، فتروي سمر 27 عاماً أنها تخلت منذ سنوات عن الشراء من المحال التجارية، واتجهت إلى “البالات”، وغالباً ما تنتظر نهاية الموسم حين تنخفض الأسعار إلى حدود عشرة آلاف ليرة للقطعة الواحدة، حتى لو كانت غير مناسبة تماماً أو تحتاج إلى إصلاح، “ممكن يكون فيها سحاب خربان أو زر ناقص بس بالنهاية بظطها وخلص”، تقول.

بين خيار الجودة وخيار القدرة على الاستمرار، يتسع “سوق البدائل” كمساحة رمادية يعيش فيها الناس حلولاً مؤقتة تحولت مع الوقت إلى عادات ثابتة، وفي ظل غياب تحسن ملموس في القدرة الشرائية، يبدو أن سؤال “هل هذا جيد؟” تراجع أمام سؤال أكثر إلحاحاً “هل يمكننا تحمل كلفته؟”.

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى