قبل أن تحددوا خياراتي… تعالوا وعيشوا مكاني
تسعى ابنتي ذات الأشهر العشرة أن تجعل أمها تدخل موسوعة غينيس للأرقام القياسية كأسرع أم تحضر ببرونة حليب وتبدل الحفاضة بأقل من خمس دقائق، وذلك تحت ضغط صراخها الذي يستمر حتى تحصل على ما تريد..
سناك سوري – أم عاملة
عند الثامنة صباحاً، يبدأ ماراثوني اليومي بين الأمومة والعمل. فأنا لا أعيش في أي منطقة زمنية معروفة، حيث إن يومي لا يبدأ بشمس الصباح ولا بمنبه الهاتف، بل بصرخة ابنتي التي تجعلني أنهض بأطرافي الأربعة مهرولة.
ماراثون الصباح الباكر:
أستيقظ عادة مع طفلتي في الثامنة أو السابعة صباحاً (حسب مزاج صاحبة السمو)، بهدف واحد لا يحتمل الخطأ وهو تحضير “ببرونة الحليب” بدرجة حرارة مثالية، وتغيير الحفاض بسرعة قياسية، ثم اللجوء إلى “الطبطبة الدبلوماسية”.
إذا نجحت في إعادتها للنوم وكسب ساعتين إضافيتين، فهذا لا يُعتبر لمجرد الراحة، بل هو إنجاز تكتيكي يضاهي التأهل لنهائي كأس العالم.
مفاضلة 2026 .. اختصاصات للذكور فقط من الكليات الحربية إلى الإعلام والقانون
في العاشرة صباحاً، أتحول فوراً إلى لاعبة سيرك توازن عدة كرات في الهواء، ببرونة الحليب – وجبة فطور الطفلة – ترتيب المنزل – بدء عملي أونلاين.
وأبدأ هنا بممارسة موهبة “الكتابة بيد واحدة” لأن اليد الثانية مشغولة باحتضان الطفلة، إطعامها، أو اللهو معها. وفي حالات المراوغة الطارئة، أبحث بسرعة عن لعبة تُصدر صوتاً لتبقيها مشغولة لخمس دقائق متواصلة فقط. وبنفس الوقت أركض في المنزل ليكون نظيفاً ومرتباً في ساعات الصباح.
ربع ساعة الأم العاملة
وقت الظهيرة كان يُفترض أن يكون مخصصاً لإنجاز مادتي الصحفية أثناء قيلولتها، لكنني أجد نفسي فجأة غارقة في أعمال منزلية لا تنتهي بين طبخ وجلي.
فأضطر لتقسيم وقتي بقسوة: ربع ساعة للعمل، وربع ساعة للمنزل. وغالباً ما تقرر ابنتي أن قيلولتها لن تتجاوز نصف ساعة، لتشاركني الطبخ ومتابعة الأخبار، وتصمم على تحويل “اللابتوب” إلى لعبتها المفضلة (بالتطبيش).
استراتيجية العصر وبطارية الـ 1%
بعد الغداء، تبدأ المفاوضات الثانية لاستعادة طاقتي قبل استئناف الماراثون بين المنزل والعمل. فإذا طاوعتني ابنتي وقررت أخذ قيلولة العصر، تبدأ هنا أخطر وأدق استراتيجية في يومي.
أرمي كل شيء، أتمدد بجانبها، أغمض عيني وأدعو الله ألا تقرر الاستيقاظ وقت نفاد بطاريتي. وإذا نجحت الخطة وغطت في النوم لـ 30 دقيقة، أعود للحياة بأمل جديد.
أما إذا استيقظت بعد 5 دقائق بابتسامة ناصعة وجاهزة للعب وهي تشد شعري وثيابي، أدرك فوراً أن “استراحة المحارب” قد أُلغيت، وأن علي إكمال الماراثون ببطارية 1% فقط، وبدون أي توتر يُزعج مديرتي الصغيرة أو أباها.
مساء العائلة والعمل
في المساء تفرض علي صغيرتي أن ألاعبها وتمنع علي أي نشاط ليست هي محوره ومع ذلك فإنني أسرق لحظاتي لاستكمال عمل غير منجز أو لجلي صحن أو كأس على وقع صرخة اعتراضية تؤكد أن “المدير الصغير” لا يقبل الشراكة ولا القسمة على اثنين.
تستسلم ابنتي للنوم عند العاشرة مساءً، ليحل سكون مفرط في أرجاء البيت، هنا أبتسم ابتسامة النصر وأستعد لاستغلال وقتي الخاص في متابعة العمل الذي لم أتمكن من استكماله.
وفجأة… أنظر إلى الساعة لأكتشف أن الوقت سرقني وأصبحت الساعة بعد منتصف الليل، حيث يصيبني الذعر المفاجئ، وأرمي الهاتف جانباً، وأغلق عيوني فوراً لأبدأ العد التنازلي غرقاً في النوم، قبل أن تُطلق صفارة الإنذار في جولة الصباح من جديد.
نسبة النساء تنخفض إلى 5.56%.. مؤشر تمثيل النساء السوريات في مواقع اتخاذ القرار
رغم كل هذا فإن أكبر معضلتين أواجههما ليستا هذا اليوم الممتلئ، وإنما أن بعض المحيطين بي يعتبرون أنني أعمل من المنزل وبالتالي أنا مرتاحة ومبسوطة وعملي سهل ويمكنهم مقاطعتي في أي وقت.
وثانياً أن هناك من يرى أنه يحق له تحديد الفروع الجامعية التي يمكنني دراستها وتحديد قدراتي ونوع الأعمال التي أصلح لها ويهمشني عن مواقع اتخاذ القرار التي لا تبلغ نسبة النساء فيها 5.5%، وهو ربما لا يستطيع أن يمضي نصف يوم من الحياة التي أعيشها وأديرها.








