سناك ساخنالرئيسية

حفلة أصالة وحجاب فرنسا

يحاول اليمين المتطرف في سوريا إلغاء حفلة الفنانة السورية أصالة نصري، في الوقت عينه يحاول اليمين المتطرف في فرنسا أن يحظر ارتداء الحجاب، وبين هنا وهناك فإن اليمين السوري في ألمانيا يؤيد إلغاء الحفل ويعارض حظر الحجاب وينتقد صعود اليمين المتطرف في ألمانيا ويتخوف منه.

سناك سوري – بلال سليطين

هي مشاهد ثلاثة لتناقضات يمينية متطرفة، فليس اليسار ولا الوسط هنا من يخاف من اليمين المتطرف، بل إن اليمين نفسه قد يخاف من يمين متطرف في مكان آخر، وبعض الداعمين لقراراته في مكان يرفضون المنطق ذاته حين يكون موجهاً ضدهم في مكان آخر.

المشكلة هنا ليست فقط في التناقض بين المواقف، وإنما في القاعدة التي يقوم عليها هذا النوع من التفكير، في أن تمتلك جماعة ما الحق في تحديد شكل المجال العام، وما الذي يجوز للآخرين ارتداؤه أو سماعه أو حضوره، وما الذي ينسجم مع “هوية المجتمع” وما الذي يجب استبعاده منها.

وهذا هو تحديداً ما يجعل اليمين المتطرف خطراً حتى على بعض الذين يعتقدون أنه يخدم مصالحهم في لحظة ما، لأن المعيار الذي يُستخدم اليوم لإقصاء جماعة أو تقييد حريتها، يمكن توسيعه غداً ليشمل جماعة أخرى، وربما يشمل من أيد المنع في البداية.

وسوريا بلد متنوع ثقافياً وفكرياً ودينياً، وحتى ضمن المكوّن الواحد فيها تفسيرات مختلفة للنص والاعتقاد، فيما تمثل التفسيرات التي تذهب بعيداً حد التطرف شريحة محدودة من هذا التنوع.

التطرف.. من باريس إلى دمشق

أعلن اليمين المتطرف في فرنسا عن مشروعه السياسي لحظر ارتداء الحجاب في الفضاء العام، فرد عليه نشطاء وناشطات فرنسيون مسيحيون ويهود ومسلمون ولا دينيون وملحدون بحملات تضامن مع النساء اللواتي يرتدين الحجاب، دفاعاً عن الحريات الفردية وعن حق الإنسان في اختيار لباسه ما دام لا يعتدي على حقوق الآخرين.

والمفارقة أن المرأة التي يريد يمين متطرف في فرنسا أن ينزع عنها حجابها بالقانون، قد تكون المرأة نفسها التي يريد متشدد في مجتمع آخر أن يفرض عليها الحجاب اجتماعياً أو قانونياً. يختلف الاثنان في الصورة التي يريدانها للمرأة، لكنهما يلتقيان عند نقطة أكثر جوهرية: الرغبة في اتخاذ القرار نيابة عنها.

قاوموا بدايات التطرف.. ألمانيا تخشى عودة اليمين

وبجوار فرنسا، حقق اليمين المتطرف في ألمانيا مكاسب انتخابية كبيرة على مستوى ولاية “ساكسونيا-أنهالت”، وهو ما استحضر أشكالاً واسعة من القلق لدى جزء من المجتمع الألماني والأحزاب والتيارات السياسية هناك. ولا يعود هذا القلق فقط إلى منافسة انتخابية بين أحزاب، وإنما أيضاً إلى الخشية من الأفكار الإقصائية، ومن تعريف ضيق للهوية الوطنية، ومن تحويل الاختلاف السياسي والثقافي إلى تفاوت في الحقوق والانتماء.

الألمان يعرفون جيداً أن التطرف لا يبدأ بالضرورة بإلغاء كل الحريات دفعة واحدة، وإنما قد يبدأ بخطاب يقسّم الناس إلى أكثر وأقل انتماءً، وإلى من يستحق أن يكون جزءاً كاملاً من المجتمع ومن يجب أن يوضع على هامشه.

ولهذا توجد في الثقافة السياسية الألمانية عبارة شهيرة تقول: Wehret den Anfängen، أي “قاوموا البدايات”، وهي تعبير عن فكرة بسيطة لكنها شديدة الأهمية: أن مواجهة التطرف تصبح أكثر صعوبة بعد أن يتحول من خطاب هامشي إلى قاعدة اجتماعية وسياسية مقبولة.

من يقرر هوية المجتمع!؟

في فرنسا لم يقل الرافضون لطروحات اليمين حول الحجاب إن الهوية التاريخية للدولة مسيحية ويجب فرضها على الجميع، ولم يقولوا إن السماح بالحجاب يؤدي بالضرورة إلى استبداد ثقافي أو فساد المجتمع. وفي ألمانيا أيضاً لم تكن الاستجابة لصعود اليمين المتطرف أن الهوية الألمانية تحتاج إلى المزيد من الإقصاء، بل استُنفرت في مواجهته أدوات سياسية ومدنية وإعلامية ولاعنفية للدفاع عن مجتمع تعددي يستطيع المختلفون العيش داخله.

وهنا تظهر مفارقة أخرى لدى بعض السوريين في أوروبا: قد يشعر سوري بالخوف حين يصبح خطاب الهوية والإقصاء موجهاً إليه بوصفه مهاجراً أو مسلماً أو أجنبياً في ألمانيا أو فرنسا، لكنه قد يؤيد المنطق نفسه عندما يكون موجهاً ضد جماعة ثقافية أو اجتماعية مختلفة عنه في سوريا.

إلغاء حفل أصالة…

وفي سوريا الآن هناك مجموعة تمثل شريحة محدودة من مجتمع واسع تريد إلغاء حفلة أصالة ومنع الحفلات من هذا النوع وتحرض عليها، والموقف من حفلة أصالة حرية شخصية، فيمكنك أن ترفض لشخصك مبدأ الحفلات، ويمكن لغيرك أن يعتبرها جزءاً من هوية وثقافة المجتمع، ويمكن لغيرك أن يعتبر أنها لا تعنيه، لكن المسألة تتغير تماماً عندما ينتقل الموقف من “أنا لن أحضر” إلى “يجب ألا يُسمح بإقامة الحفل أصلاً”. فهذا انتقال من الامتناع الشخصي إلى المطالبة باستخدام السلطة لمنع الآخرين.

ومن هنا يمكن الحديث عن تقاطع هذا الخطاب مع خصائص اليمين المتطرف والسلطوية الاجتماعية، ليس لأن كل متدين أو محافظ ينتمي إلى اليمين المتطرف، وليس لأن كل اعتراض على حفلة هو تطرف. فهنا ليس النقاش في مواقف المعترضين وإيمانهم وعقائدهم، فهي حرية شخصية، وإنما في محاولة تحويل تلك المعتقدات إلى قواعد ملزمة للمجتمع والدولة، وتحديد هوية البلاد الثقافية والفكرية وحتى الفنية على أساسها، إلى درجة يصل فيها الأمر إلى محاولة منع حفل لفنانة مثل أصالة.

والسؤال الأهم ليس فقط: هل نحب هذا الحفل أم لا؟ بل: ما القاعدة التي نؤسس لها عندما نطالب بالمنع؟ ومن سيستخدم هذه القاعدة في المرة المقبلة؟

خوف عابر للحدود

إذا كان توصيف “اليمين المتطرف” في الحالة السورية لا ينطبق بالضرورة بالمعنى الحزبي الأوروبي، فإن نمط الممارسة هنا يحمل بعضاً من أبرز سماته: الإقصاء، ورفض التعددية، والسعي لفرض تصور ثقافي واحد على المجال العام وإلغاء التنوع.

وكما يخشى كثير من السوريين في ألمانيا اليمين المتطرف وانعكاساته عليهم، وكما يخشى الفرنسيون والألمان على مجتمعاتهم من تحوله إلى قوة قادرة على فرض رؤيتها على الجميع، فإن صعود النزعات الإقصائية في سوريا يستحق الخوف أيضاً.

الخوف هنا على الحريات الفردية والثقافية، وعلى السياسة والفكر والفن، وعلى قدرة السوريين المختلفين على العيش ضمن مجتمع واحد، وعلى قبول الآخر واحترام حقوقه، وعلى ألا تتحول الدولة إلى أداة بيد جماعة واحدة لتحديد ما يجب أن يفكر به الناس وما يجب أن يرتدوه وما يجب أن يسمعوه وما يجب أن يشاهدوه.

والخوف أيضاً على بعض المقتنعين بهذا النوع من الخطاب أنفسهم، لأن من يمنح السلطة اليوم حق منع الآخر لأنه مختلف عنه، يمنحها في الوقت ذاته الأداة التي يمكن أن تستخدمها غداً لمنعه هو.

ولهذا ربما تكون العبارة الألمانية “قاوموا البدايات” مناسبة لسوريا أيضاً، لأن الاستبداد الاجتماعي لا يبدأ عادة بمنع كل شيء، بل بمنع شيء يستطيع أصحابه إقناع الناس في البداية بأنه لا يستحق الدفاع عنه.

زر الذهاب إلى الأعلى