الرئيسيةرأي وتحليل

محوّ الأمية العاطفية – ناجي سعيد

ما نفع الشهادات، إذا لم تتعلّم التعبير عن مشاعرك وحُسن إدارتها؟

سناك سوري-ناجي سعيد

يربط معظم الناس مفهوم الأميّة بالعقل وحده، لذا نجد الكثير من الناشطين يعملون في تسيير برامج “محو الأميّة”. وأنا منهم شخصيًّا، فقد خضعتُ لدورة تدريبيّة لأصبح “مُعلّم” محو أميّة، كان هذا في أواخر الثمانينيّات، وكنت لازلت طالبًا ثانويًا ومليء بالحماس، وهدفي جعل العالم بأكمله “مُتعلّمًا” ومثقّفًا، وكلّي أمل بأن تُصبح حياتي أفضل!.

وقد أدركت لاحقًا بأن محو الأميّة هذا يزيد الأمور تعقيدًا. فُكلّما فتحنا بابًا من العلم، زادت التعقيدات وتشابكت العقول واختلفت مآربها. فكيان الإنسان هو وحدة مُتكاملة، ولا يمكن فصل الأعضاء عن بعضها البعض أثناء تأدية وظائفها. فالأمّية التي تطال العقل، لا دخل لها بالقلب. حيث من الطبيعي أن نجد في المجتمعات القروية عددًا لا بأس به من الأمييّن. وهذا لا يعني بأن جهلا مُطبقًا يسيطر على حياتهم البسيطة المليئة بالقيم الإيجابيّة.

فالمستوى العاطفي هو مجال تعلّم، ولكن يختلف مُعلّموه. فالمُعلم الأوّل لعاطفة الإنسان، هو الوالدين. الأُم تعطيه الأمان والحنان الذي يروّض الوحوش، فكيف الحال بطفلٍ طريّ العود. والعاطفة هذه ليست كافية لتنشئ إنساناً مُتّزنًا لاعنفيًّا. وتبدأ أميّة الأهل بالظهور جليًّا، لتتكرّس بشخصيّة الطفل، فتتحوّل مشاعره السلبية، إلى سلوك عنيف، بعد أن ينشأ في بيئة حاضنة للجهل العاطفي.

اقرأ أيضاً: هل قرأ أحدنا كتالوج هويّته قبل دخول عالم التكنولوجيا – ناجي سعيد

فحين يشرع الطفل في البكاء كمؤشّر لنقص في حاجة ما، يسارع الأهل لإسكاته بسبب انزعاجهم من صوت البكاء، ولا يأبهون بتلبية حاجته. وهذا الخطأ الشائع، يُشرك الطفل في عملية الأمّية العاطفية، فيُصبح البكاء سلاحًا يُشهره الطفل لتلبية رغباته، وليس مؤشّرًا لنقص في حاجة أساسيّة. لا أبالغ أذا ما أعلنت إيماني بطبيعة البشر الخيّرة. ولكنّ عوامل أخرى تُشكل قوّة ضاغطة على هذه الطبيعة الخيّرة، فببساطة، واستنادًا إلى العلم، يتشكّل اللاوعي عند الطفل من عمر صفر إلى عمر سنتين، وهذا اللاوعي هو مرآة تعكس سلوك وأفكار الإنسان.

فلو تعنّف الإنسان في هذه الفترة من الطفولة، يترجم عن اقتناع تام ما تربّى عليه من عنف. والجهل بالمشاعر، يمارسه الناس مع أطفالهم على الشكل التالي: ملاعبة طفلهم عن طريق ضربه على يديه أو وجنتيه مثلاً، ولا يعلمون أن الضرب هو عنفً، حتّى لو أسموه مزاحًا. وانعكاس العنف هذا تُرجم إلى فوضى في التعامل مع المشاعر، تأمّلتها أثناء حضوري لمناسبة عزاء، حيث لا أعلم ما هو المنطق الذي يدفع الإنسان لأن يكذب في التعبير عن المشاعر، أو المبالغة بها.

روت لي إحداهنّ، عن توجيه تلقّته من امرأة قريبتها أكثر منها خبرة في التعبير الكاذب عن المشاعر، فقالت: ابقِ هادئة وصامتة، وإذا ما أتى أحد المُعزّين ابدأي بالصراخ والولولة. نعم، وما حدث مع ابنة الفقيدة، فابنة جيلها الواعية تدعمها وتُهدّئ من روعها، حيث فقدت والدتها الآن بعد سنين على فقدان والدها، وفي الوقت عينه، قريبتها الأكبر سنًّا (والمفروض أكثر خبرةً في مواجهة الصعوبات والتعامل مع المشاعر) كانت تنكئ الجراح وتفتح ذاكرة الابنة لتزيد من حزنها، لا لمواساتها.

هل التعامل مع المشاعر يكون على النحو هذا؟ أن التعبير عن المشاعر بصدق، من أساسيّات التواصل اللاعنفي، ولا أقول غير ذلك، فمن الضروري لاتّزان الشخصيّة ألا يُكبَت الإنسان بكاءً تعبيرًا عن حزنٍ أو ضحكٍ للتعبير عن فرح. لكنّ أن تأتي “أُلفت” ابنة عمّ الفقيدة، وتصرخ وتولول أمام “ديمة” ابنة الفقيدة، وحين طلبت صديقة ديمة وابنة جيلها من السيّدة ألفت أن تساعدها في تهدئة ديمة، نهرتها قائلة: أنت عارفة حالك مع مين عم تحكي؟ وهذا التكاذب بالمشاعر يناسبه تمامًا ثوب الغرور والنظرة الدونيّة للآخر.

فمعرفة المشاعر والتعبير عنها تساهم في محو الأمّية العاطفيّة. ولو علّقت أكثر من شهادة تخرّج على جدار غرفتك، تبقى كالجدار، إذا لم تتعلّم التعبير عن مشاعرك وحُسن إدارتها. وقد اكتسبت معلومة أثناء دورة تدريبية عن إدارة الدماغ، ولا أنساها: العقل يضع أهداف الإنسان، والقلب يجعله يُحبّها. فلا يمكن للمرء أن يتبع قلبه فقط، أو عقله. فالتطرّف ينتج عن اتّباع أحدهما، والاتّزان أن تُعدل الكفّة بينهما.

اقرأ أيضاً: اللاعنف يبدأ من معرفة الذات القوية – ناجي سعيد

المقالات المنشورة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الموقع

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى