الرئيسيةرأي وتحليل

مثقفو ونخب حزب التلة في بلادنا- شاهر جوهر

مثقفون فضّلوا حماية مكاسبهم على الإنتصار لمبادئهم

سناك سوري – شاهر جوهر

لا ملامة حين يجد المرء نفسه يميل لصنف من البشر دون سواه، تماماً كما حين لا يلام المرء من رغبته في تناول هذا النوع من الطعام دون غيره. فكما الطعام، هناك في العلاقات الاجتماعية نباتي وغير نباتي، وأنا بالعموم نباتي حيال علاقتي بالمثقفين.

لهذا الطارئ أجدني لا أحبذ تناول المثقفين على مائدتي، لربما لهذا السبب رفضت في السنوات التي انقضت المشاركة في لقاءات تلفزيونية وإذاعية وبعض جلسات النقاش التي دعاني إليها بعض الأصدقاء. لكنني في المقابل أحبذ تلك الجلسات التي يعقدها مثلاً ابن جيراننا الفرخ “أبو عكر”. كما أستمتع بأحاديث الفتوة والبلطجة التي يخيطها صديقي “الأظّي” رغم مبالغته الزائدة، أو حتى جلسات “السيد بانزين” الغرامية التي لا تجد ما يشبهها سوى في أفلام ديزني والتي يردفها دوماً بلاحقة مثل “صدقني”، لأنه يعلم أنه نفسه لا يصدق ما يقوله، كما أعشق أيضاً سرديات “الخبرة” في الحارة لـ”أبو الزيك” كشاش الحمام في حيّنا.

قبل يومين و خلال عبوري الطريق الريفي الموحش خارجاً من زيارة لصديق يعمل في بناء الحجر، التقيت بجار مثقف على جانب الطريق، بدا كشبح في أربعينية الشتاء، فكنت مضطراً لتلبية دعوة جديدة منه. إنه لمن المحزن يا صاحب أن يراك الآخرون بحجم أكبر مما أنت فيه في الواقع فتتلقى الدعوات وأنت غير قادر على إيضاح كم هم مغشوشون بك وبثقافتك.

فأنا أحب هذا الجار الطيب، لكنه من عائلة مثقفة، ستة إخوة مثقفين متزوجين من ستة نسوة مثقفات، يتحدثون الفصحى ويضحكون بالفصحى ويمشون بالفصحى ويأكلون بالفصحى ويلبسون بالفصحى ويهرشون جلودهم بالفصحى، وأمور أخرى أعتقد أنهم يفعلونها بالفصحى. المرة الماضية – قبل سنة تقريباً – قبلت، عن طيب خاطر، دعوة وديّة لطيفة منهم، و رغم كل إمارات الود والبساطة والذوق الرفيع البادية منهم شعرت حينها أني في دورة إعداد حزبي، كنت بين المرة والأخرى أرغب بشدة أن أطلب منهم خيارات متعددة لأجيب على أسئلتهم المعقدة، فهم يركّبون أسئلة بسيطة بطريقة معقدة.

اقرأ أيضاً: متفرغ للحصاد والأعمال الأدبية – شاهر جوهر

في جلستنا الأخيرة في منزله المتواضع شاركتنا زوجته الطيبة وجبة الحديث، إنها المرة الأولى التي أشعر فيها شعور أن تكون أحد التطبيقات الرديئة في هاتف قديم وقد تم تحميلك ببطئ من متجر قديم في قرية نائية قديمة يبث فيها الانترنت من شبكة قديمة. وبلا أي مبالغة أو ترف في الحديث كنت بينهم كجهاز معطل بالفعل لا يقوى على التقاط أي إشارة.

في العموم إن غالبية جلسات (النخب) في بلادنا تجعل عقرب الساعة القصير أكثر بَلَادة، إنهم يتسفسطون و يعقّدون البسيط ويعقّدون المعقّد، كذلك الأمر بالنسبة لبعض (النخبات-مؤنث نخب)، إنهنّ ينفّرنّ الرجال منهنّ، ما يجعلهم يكتفون بعلاقات ودية قد تصل في أقصاها إلى تبادل التملق والابتسام فقط، لهذا غالباً ما تموت “النخبة” المحليّة قبل أن ترى أحفادها، فلا يحببوك بالثقافة ولا بالفكر ولا بالنسوية بل يجعلونك تكفر بهم وبكل شيء من حولهم.

غالبية جلسات المثقفين والمثقفات في بلادنا تجعل عقرب الساعة القصير أكثر بَلَادة

من الجدير بالقول أن بعض المثقفين والنخب في بلادنا تشغلهم المظاهر، ويركزون على أدق التفاصيل، على تسريحة شعرك، على لون جوربيك، على طريقة شربك للقهوة المرّة، وحتى على طريقتك في الضحك والعطاس. أنا أعرفهم جيداً إنهم يفضلون النميمة على أصدقائهم أكثر من مناقشة قضايا الفساد في البلاد. وإن كان ولابد من القول إنهم يتحولون الى لاعنفيين أكثر من “غاندي” نفسه فقط حين يجدون أنفسهم في حي مليء بالعنف.

أما “الشوارعيون” البسطاء فهم أصدقاء ثقات بحق، لا يتكلفون ولا يتصنعون، إنهم يقولون للأعور أعور بعينه وأحياناً يدسون إصبعهم في عينه السليمة بلا مقدمات. فقط يكفي أن تصفّر في أول الحارة ليأتي الجميع لنجدتك حتى لو كنت أنت المخطئ.

غالباً ما يتناول أولاد حارتنا البسطاء الحياة بمرح، فتجدهم يعيشون حياة ترف ومتعة، إنهم بحق يصرفون ما في الجيب ثم يمجّون السجائر في اليوم التالي ويلفون ساقاً فوق أخرى بانتظار مافي الغيب، لكن بعض المثقفين يجدون أن الرزق مرهون بالركض وراء القرش والتمسك به وعدم إفلاته، إذ تقيدهم العلاقات الاجتماعية والبرستيج ويتذمرون دوماً من الفقر والفاقة.

اقرأ أيضاً: الحياة الهادئة نعمة – شاهر جوهر

تخبرنا التجربة أيضاً أن هذا النوع من المثقفين (جماعة حزب التلة) ليسوا هم مَن يصنعون الأحداث الكبرى لوحدهم، بل من يصنعها بغالبيتها هم الشوارعيون والفلاحون الفقراء والمثقفون الشوارعيون المنظرون المنفذون، إنهم دينمو التغيير عبر التاريخ. ففي كل الثورات والحركات الناجحة منها والفاشلة تاريخياً من ثورات الفلاحين في بريطانيا عام 1381م وحتى الحركات الشعبية في أوروبا عام 1848م وتمرد البروليتاريا في موسكو عام 1905 وكل الكومونات الشعبية وحركات العبيد قادها الفقراء والبسطاء وأبناء الشوارع. أما غالبية الصفوة المثقفة في تلك الأزمنة وحتى اليوم لا يلائمهم سوى الوقوف على الحياد وانتهاز الفرص ليقودوا الطرف المنتصر بأشعارهم وخطاباتهم.

التنظير الثقافي لدى معظم من رُفعوا لمرتبة النخبة في بلادنا هي مهنة العاجز، مهنة أولئك الذين يمتلكون عقداً جنسية حادة، أولئك الذين يطرحون نصائحهم ثم يفرّون عند أول نزال. لأن المثقفين يريدون أن ينقلوا الحجر من وسط الطريق بالفكر فقط بينما البسطاء يتكاتفون ويفتتون تلك الحجارة بمطارقهم وسواعدهم كي يعبر الانتهازيون. لهذا سرعان ما تختبر الحروب والكوارث الطبيعية والانهيارات السياسية والاقتصادية الكبرى وحتى الفكرية هذا الصنف المثقف من البشر، فيتحولون لمشبوهين في نظر الجميع، لأنهم يتنكرون لكل مبادئهم النظرية لينقلبوا إلى سلاح لئيم بوجه البسطاء، لأنهم عبر التاريخ طالما فضّلوا حماية مكاسبهم على الإنتصار لمبادئهم.
باختصار شديد إن معظم النخب التي تورطنا بها في هذه البلاد إما يعيشون فوق تلة ينظرون على الناس وإما يسيرون خلف الحشود أينما ذهبت حتى ولو كان إلى حتفها ولا يجرؤون على قول كلمة واحدة خوفاً من فقدان شعبيتهم، وجزء ثالث مثقف حقيقي لكن ثل هذا الجزء إما منبوذ أو مسحوق أو ينحت بالصخر لإنقاذ ماتبقى.

اقرأ أيضاً: احذروا هذا النوع من الاحتيال.. سرق أجرتي – شاهر جوهر

المقالات المنشورة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الموقع

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى