طرافولطا و برميل المازوط المبارك

جون ترافولتا-انترنت

حكايتي مع “جون ترافولتا” مسؤول عمال المشتل الزراعي

سناك سوري – شاهر جوهر

حين يُسأل العاطلون عن العمل عن اسم مسؤول العمال في المشتل الحكومي الواقع على طرف القرية، كانوا يجيبون بإسهاب “إنه طرافولطا صاحب برميل المازوت ذو البركة”.

هذا ما قاله لي أحد العمال قبل عدة أشهر حين أذيع في القرية عن رغبة الحكومة التعاقد مع عدد من العاطلين عن العمل بصفة عقود مؤقتة لثلاثة أشهر، وحين استدرت للذهاب إلى مكتبه تمايل من البعيد شبح رجل هزيل مائل إلى جانبه الأيمن.

فغمغم العامل حين رآه: (ها قد ذكرنا القط).

ثم أخذ يعمل بجد أكثر، ومثله فعل باقي العمال، انطلق مسؤول العمال كالسهم وأمسك عاملاً يافعاً اختبأ في جحر بين صخرتين وراح يدخن كفأر صغير، أصيب الشاب بالهلع، فشد المسؤول يده للوراء كمن يسحب نبلاً في قوس وأطلق جمع يده في وجه ذاك اليافع حتى سقط على الأرض، فركض هارباً تاركاً العمل، وفي البعيد صاح بعصبية كلاماً لا ينصح بسماعه هنا.

اقرأ أيضاً: البربوط.. الكل يظلمه ويرميه خارج المنزل- شاهر جوهر

عرفت حينها لما يلقبه العمال بـ “جون ترافولتا” أو “طرافولتا كما يقولون”، فلديه قبضة لا تخطىء أنفاً، وحين وقفت مصلوباً أراقب ما يجري، سألني سبب وجودي في مكان العمل فأخبرته عن رغبتي بالتسجيل في الشواغر المطلوبة، فطوح نحوي نظرة متعالية و خبيرة من الأسفل إلى الأعلى، ثم صاح بالعمال (“طوم وجيري” خذا مكان ذاك الداعر في جمع عقل الزيتون، و”نفرطيطي” روحي اعملي شاي).

هناك أشخاص كثر يمتلكون عيباً في النطق رافقهم منذ الولادة، فأفأة مثلاً، مأمأمة، تأتأة، أو أن تُلفظ الراء لاماً والسين ثاءاً، كما هناك لهجات محلية في البلاد تطورت عبر أجيال فانتهت باستبدال الحروف بأخرى كأن تلفظ القاف غيناً والغين قافاً في أماكن في الجزيرة السورية، أو أن تستبدل الهمزة بالقاف في حواضر العاصمة مثلاً، لكن أن يستبدل شخصاً حرف التاء بطاء فهي حالة اعتقد أنها جديدة بالنسبة لي و سابقة على ظهور اللهجات المحلية في البلاد كما لدى هذا المسؤول الجاف غليظ القلب.

جلسنا في مكتبه حين أخذ يسجل بيانات الشاغر الوظيفي كي يرفقها مع الطلب، وحين أخبرته أني عملت سابقاً كمدرّس وزاولت الصحافة بشكل بسيط، وأنني أمتلك إجازة جامعية، ترك القلم وأسند رأسه بيده وراح ينظر إلي باشمئزاز ثم قال بتهكم مع أنه يعلم أني أبحث عن أي فرصة عمل “مش طالبين مثقفين، هون بدنا عمال”.

اقرأ أيضاً: بعد حواري مع متشرد أنا لا أشعر بالارتياح مثله – شاهر جوهر

في تلك الأثناء دخلت “نفر طيطي” الصبية السمراء الصغيرة كفرعونة مصرية تم تحنيطها باكراً، أو هذا ما يحب أن يطلقه عليها، وقد حملت الشاي، وضعته أمامنا ثم أخبرته أن “طوم وجيري” الصبيان الآخران تركا العمل أيضاً.

لم يعطِ للأمر بالاً، شرب رشفة من الشاي قبل أن يصل صاحب الدكان الذي في حينا، جلس بيننا، شرب الشاي هو الآخر، وأخذ يطالب الرجل بدين قديم بطريقة لطيفة، فأخذ يعدد له صاحب الدكان فوائد وظيفته ضاحكاً، وذكّره بأنه “موظف قد الدنيا”، وأنه تمكن بفعل راتبه ووظيفته من إعادة إعمار منزله، واشترى دراجة نارية، وغاطس لبئره الخاص، ثم ختم بالقول:« ولابس طاقية بخمس تالاف ليرة مين قدك».

ضحكت وضحك هو الآخر، أخيراً رأيت هذا الوجه الجاف وهو يضحك. قال وهو ينظر إلي بانفراجة وسماحة غزت وجهه:«- البَرَكة ..، أهم شيء البركة، منذ سنتين اسطلمت (استلمت)من الحكومة برميل مازوط (مازوت) خاص بالتدفئة، قام بكفايطي (بكفايتي) لعام كامل، رغم أن العام الفائط (الفائت) كان ذو شطاء (شتاء) قاسي، ومع ذلك قمطُ (قمت) بمنح عديلي عشر لطرات (لترات) لسيارطه (لسيارته) حين كان المازوط (مازوت) مقطوع، كما أعطيطُ  (أعطيت) جاري عشر لطراط (لترات) ليضعها في محراثه حتى يكمل فلاحة أرضه، وفي نهاية فصل الشطاء (الشتاء) قمطُ (قمت) بمنح الباقي لأخي كي يسقي زروعه .. البركة ، أهم شيء البركة».

إنها قصة يرويها باستمرار حتى زهقها وملّها الناس منه. ولما غادرنا المكان على الطريق قال صاحب الدكان وهو لايزال يضحك:« بالتأكيد البركة، وبفضل البركة طلبت زوجته الطلاق ألف مرة لأنه كان يقضي شتاءه ملتحفاً بطانيته لأنه باع المازوت لإخوته وجيرانه ولم يصرف قطرة واحدة من برميله».

اقرأ أيضاً: متفرغ للحصاد والأعمال الأدبية – شاهر جوهر

المقالات المنشورة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الموقع