شباط في التاريخ السوري…حين سلِّمت مفاتيح دمشق لـ هولاكو

قلعة دمشق قبل عشرات السنين - انترنت

دمشق التي نجت من “هولاكو”.. وقعت في فخ توظيف الدين بالسياسة على يد “تيمورلنك”

سناك سوري – حسان يونس

عام 1255 بدا الخان المغولي “هولاكو”، مكُلفا من قبل أخيه “منكو خان”، بالتوسع في منطقة غرب آسيا، فاجتاح إيران في 1256م، ثم توغل غرباً واستولى على بغداد، وفي 1260م استطاع أن يُخضع جزء كبير من بلاد الشام لسلطته، بعدما استولى على مدينتي حلب ودمشق.
دخل جيش هولاكو في 2 شباط من عام 1260 مدينة دمشق دون قتال بعدما هرب الأمير الأيوبي الناصر يوسف، وقادة جيشه من المدينة عقب سيطرة المغول على مناطق واسعة من سورية.
بعد حيرة واضطراب اجتمع أعيان دمشق، واتفقوا على أن يأخذوا مفاتيح المدينة ويسلموها إلى “هولاكو” ثم يطلبون الأمان منه كما فعل أهل “حماة”، حينذاك لم يكن قد دخل الإسلام إلى عالم المغول، وكان جيش “هولاكو” يتضمن عساكر من “أرمينيا وجورجيا وأنطاكيا”، التي كانت تحت حكم الإفرنج، وبناءاً عليه تقدّم الجيش المغولي في شوارع دمشق ثلاث أمراء مسيحيين هم “كتبغانوين” قائد الجيش المغولي، والملك “هيثوم” ملك أرمينيا، والأمير “بوهمند” أمير أنطاكية، مرّوا بسلام في شوارع دمشق دون انتهاك حرمات المدينة.
بعد ذلك تتالت الأحداث لغير صالح الزحف المغولي، بسبب موت خان المغول الأعظم “منكو خان”، الذي كان يحكم الإمبراطورية المغولية من مقره في الصين، فاضطر “هولاگو” لسحب معظم جيشه الضخم، وترك بالمنطقة فقط ( 10-20) ألف جندي بقيادة “كتبغا”، فيما قدّر عدد المقاتلين المسلمين في المعركة بحدود 50 ألف، وهو ما يعني غياب القائد وقلة العدد لدى الجيش المغولي الذي تم سحقه من قبل جيش المماليك بقيادة السلطان “قطز” والظاهر بيبرس في معركة عين جالوت عام 1260.
مثّلت معركة “عين جالوت” انتصارا منطقيا للجيش المملوكي، لا إعجاز ولا بطولة فيه، لكن رغم ذلك تم تجييرها لصالح الخطاب الديني تارة، ولصالح الخطاب القومي المصري تارة أخرى، من خلال القول أن المسلمين أو المصريين أوقفوا الزحف المغولي الذي بدا أنه غير قابل للإيقاف آنذاك.
وهي دعاية حديثة العهد ترتبط بصعود الخطاب القومي في عهد جمال عبد الناصر وحاجة هذا الخطاب إلى ركائز تاريخية تشحذ الروح المعنوية حيث ظهر فيلم “وا إسلاماه” الذي أُنتج في 1962م عن رواية بنفس الاسم للكاتب “علي أحمد باكثير”، تتحدث عن البطولة المصرية في عين جالوت، ثم استعار الخطاب الديني قميص البطولة هذا وغزل على ذات المنوال، دون أن يكون لهذا الغزل أي موضوعية، فالمغول خلال هزيمتهم في “عين جالوت” كانوا قد اكتسحوا “ليتوانيا وبلغاريا وبولندا”، كما أن الحرب الأهلية المغولية بين “بركة خان” المسلم و”هولاكو خان” هي التي عطّلت “هولاكو” عن الانتقام لما حدث لجيشه في “عين جالوت”، إذ كان قد شرع حينها في تكوين جيش ضخم لاكتساح “مصر وفلسطين” على غرار ما حدث في “بغداد وأوروبا”.

اقرأ أيضاً سوريا وتاريخ من الغزو باسم الله – حسان يونس

بالعودة إلى “دمشق”، فهذه العاصمة التي تنوء بتاريخها الجبال اجتازت مرحلة الغزو المغولي الهولاكي بسلام، لكنها بعد قرابة مائة عام كانت على موعد مع غزو تتاري آخر، قاده “تيمورلنك” 1400 م، وفي ظروف مشابهة هرب كذلك السلطان المملوكي “الناصر فرج برقوق” مع جيشه تاركاً “دمشق” في مهب الريح، نتيجة خلافات بين المماليك على كرسي الحكم في القاهرة، وكان “تيمورلنك” مسلما لديه ولع بجمع علماء المدن الإسلامية التي يجتاحها، وسؤالهم عن النزاع بين رابع الخلفاء الراشدين الإمام “علي” وأول أمراء بني أمية “معاوية”، وكذلك كان مولعاً بالعالم الشهير “ابن خلدون”.
إن قصة دخول تيمورلنك إلى دمشق، واستباحة المدينة كسكان ومكان ونهبها وإحراقها، تكاد تكون أحد أكثر الأمثلة سطوعا حول خطورة الدين عند زجه في السياسة، فبعد انسحاب أمراء المماليك من مواجهة تيمورلنك إلى مصر، صمّم أهالي دمشق على المقاومة، وأيدتهم الحامية المملوكية المتحصنة في القلعة والمكلفة بحراسة المدينة، وبعدما عجز جيش تيمورلنك عن اقتحام المدينة خلال مناوشات عديدة متكررة، لجأ إلى حيلة الدين ورموزه، فأرسل إلى الدمشقيين المقاومين من يبلغهم ‏:‏«أن الأمير يريد الصلح فابعثوا رجلاً عاقلاً حتى نحدثه في ذلك»، فكان أن وقع الاختيار على قاضي قضاة دمشق “تقي الدين إبراهيم بن محمد بن مفلح الحنبلي”، الذي اجتمع بتيمورلنك، وعاد إلى دمشق مخدوعا بقوله ‏:‏«هذه بلدة الأنبياء وقد أعتقتها لرسول الله صلى الله عليه وسلم صدقة عن أولادي»‏، وتم تسليم المدينة عند هذه المقولة، فكانت استباحة تيمورلنك لدمشق ‏من أعظم المآسي في تاريخها خلال كل العصور.
والى اليوم يستنكر حملة الخطاب الاسلاموي أن يتقدم الجيش المغولي في شوارع دمشق أمراء مسيحيون خلال الغزو المغولي الأول 1260 م، لكنهم يمرّون بصمت مطبق عند الحديث عن دين المنتهك الأكبر لدمشق تيمورلنك، الذي كان أول ما فعله عند دخول المدينة هو الصلاة في الجامع الأموي، والذي بنى قبة على قبر أم حبيبة (زوجة الرسول) رضي الله عنها وفعل الكثير من مظاهر الإسلام.

اقرأ أيضاً الطقوس الدينية والطبيعة السورية القائمة على التنوع – حسان يونس

المقالات المنشورة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الموقع